|
|
المركز المصري لحقوق السكن |
| تقرير
الآثار الصحية لمحطات التليفون المحمول
الفصل الثاني: الوضع العالمي لمحطات التليفون المحمول:في دول عديدة يسود اعتقاد تدعمه بعض الدراسات العلمية أن التعرض للمجالات الكهرومغناطيسية المستخدمة في الأغراض الصناعية والطبية والتجارية قد يؤدي إلي آثار صحية ضارة خاصة لدي الأطفال. نتيجة لذلك فإن بناء واستخدام تكنولوجيات جديدة تعتمد علي المجالات الكهرومغناطيسية مثل شبكات الكهرباء عالية الجهد وشبكات التليفون المحمول علي وجه الأخص تواجه غالبا باعتراضات شديدة من السكان. فالسكان المحليين يعتقدون أنه ليس من العدل أن تمر فوقهم أو بالقرب منهم خطوط الكهرباء عالية الجهد لتخدم مناطق أخرى يسكنها الأثرياء بينما هم يعانون من انقطاع الكهرباء أو عدم وجودها. ومما لا شك فيه أن نقص أو غياب الخدمات الأساسية مثل الكهرباء ومياه الشرب وغيرهما من شأنه أن يدفع السكان لمقاومة مد الشبكات خاصة إذا ما كانت لخدمة غيرهم.ويقاوم السكان في عديد من المناطق تركيب وبناء محطات جديدة للتليفون المحمول، ولا يقتصر الأمر علي مصر وحسب، بل تكاد المقاومة أن تكون عالمية. - في الولايات المتحدة الأمريكية يقاوم السكان في عدد من الولايات تركيب محطات التليفون المحمول لدرجة أن حوالي 85% من المحطات التي تهدف الشركات لبنائها تواجه باعتراضات شديدة، الأمر الذي يكلف الاقتصاد الأمريكي (الشركات) حوالي مليار دولار سنويا. - وفي كندا هناك قلق عام في بعض الدوائر حيث أن معايير الأمان المتبعة لا تأخذ في حسبانها التأثيرات غير الحرارية. وهناك مطالبة باتخاذ إجراءات وقائية خاصة فيما يتعلق بمحطات التليفون المحمول. يذكر أيضا أن الاهتمام يشمل مجال الترددات المنخفضة جدا حول شبكات الكهرباء عالية الجهد. - وفي أيرلندا تدور مناقشات واسعة حول المخاطر المحتملة لشبكات التليفون المحمول. - وفي بلجيكا يتزايد الاهتمام بوضع أسس أكثر أمانا لمحطات التليفون المحمول. - حتى في إسرائيل لا تأخذ المعايير المتبعة هناك الآثار غير الحرارية في حسبانها. وقد تم رصد حالات قاوم فيها السكان بناء المحطات، وهدموا خمسة محطات للتليفون المحمول. كما أن هناك اهتمام آخر يتبدى تجاه مجال الترددات المنخفضة حول شبكات الكهرباء، ويجري هناك حاليا الإعداد لمشروع قانون لتنظيم عمل هذه المحطات. - وفي نيوزيلندا رصد تقرير قيام السكان بطرق ودرجات متفاوتة بمعارضة بناء ثلاث محطات للتليفون المحمول. وقد دفعت تلك المقاومة الحكومة للبحث بالاشتراك مع استراليا عن معايير أمان جديدة تشمل مدي الترددات من صفر-300 جيجا هيرتز. يذكر أن نيوزيلندا تتشدد في اتخاذ احتياطات أمان إضافية لمتطلبات اللجنة الدولية للحماية من الإشعاعات غير المؤينة. فالحد الذي تتبعه نيوزيلندا هو 200 ميكروواط/سم2، وهو نصف المسموح به من قبل اللجنة الدولية ومنظمة الصحة العالمية. - وفي استراليا دفع الاهتمام لقطع نصف الطريق من أجل إنجاز منظومة أمان صحية تراعي اعتبارات الصحة العامة للسكان وتعتمد استراليا مشروعا بحثيا مشتركا مع نيوزيلندا لإنجاز هذا الهدف. - وفي المملكة المتحدة، حيث تبلغ نسبة مستخدمي التليفون المحمول حوالي 50% من إجمالي السكان، استجابت الحكومة لتقرير صادر عن لجنة خبراء مستقلين حول التليفون المحمول ومحطاته مقترحا إجراءات وقائية. كما يجري العمل علي قدم وساق بين إنجلترا واسكتلندا من أجل تطوير حزمة متوافقة من سياسات ومتطلبات الأمان ضد المجالات الكهرومغناطيسية. - وفي فرنسا حيث تبلغ نسبة مستخدمي التليفون المحمول قرابة 40% من جملة السكان يبدو القلق من التليفون المحمول أكبر من القلق من المحطات. - وفي إيطاليا، حيث تبلغ نسبة المستخدمين حوالي 60% من جملة السكان، هنالك قلق متزايد من المجالات الكهرومغناطيسية، فإيطاليا لا تأخذ بمعايير الأمان الموصي بها من قبل منظمة الصحة العالمية، ومن وجهة نظر اقتصادية تحتاج إيطاليا لحوالي 30 مليار يورو لاتخاذ إجراءات وقائية كافية فيما يتعلق بخطوط الكهرباء فقط، مما يؤشر لحجم الكلفة الكلية اللازمة لتوفير الحماية الكافية لكل السكان ضد كل المجالات الكهرومغناطيسية. - وفي ألمانيا استغرق خبراء ومتخصصون في مناقشات استمرت عاما ونصف حول ما الذي يجب اتخاذه من إجراءات وقائية ضد المجالات الكهرومغناطيسية. - وفي سويسرا تضع الحكومة هناك حدودا وقائية إضافية بالنسبة للترددات المنخفضة يمثل 1% من الحد المقرر طبقا للجنة الدولية، وبالنسبة للترددات الأعلى حدا يمثل 10% من الحد المقرر طبقا للجنة الدولية للحماية من الإشعاعات غير المؤينة. ويمكن القول أن اعتراضات السكان ضد إقامة محطات جديدة للتليفون المحمول قد توزعت علي بلدان شتى من الولايات المتحدة الأمريكية إلي أوروبا واستراليا ونيوزيلندا وبلدان آسيوية، مثل الصين التي بدأت مشروعا متكاملا لتوفير الأمان من المجالات الكهرومغناطيسية. دور منظمة الصحة العالمية: في استجابة، متأخرة نسبيا، للمخاوف المتزايدة من التعرض للمجالات الكهرومغناطيسية وكجزء من "رد الفعل" بدأت منظمة الصحة العالمية في عام 1996 مشروعا واسعا يهدف لدراسة الآثار الصحية للمجالات الكهرومغناطيسية في مدي ترددات من صفر-300جيجا هيرتز، ويتوقع أن يكتمل المشروع في نهاية عام 2005. ومن المتوقع أن يصدر عن المشروع أربعة تقارير أساسية تتضمن: المجالات الاستاتيكية -مجال الترددات المنخفضة جدا- مجال الترددات الراديوية، كما يفترض أن يتضمن التقرير الرابع سياسات إدارة وإجراءات الأمان الصحي التي يجب اتباعها. أطلق علي هذا المشروع اسم "المشروع الدولي للمجالات الكهرومغناطيسية" وقد شارك في اللقاء التمهيدي للمشروع ثلاثة وعشرون دولة، من بينها دول عربية مثل الإمارات العربية المتحدة والكويت بينما لم تشارك مصر، كما شارك في اللقاء ممثلون لستة منظمات أهلية دولية منها "الوكالة الدولية لبحوث السرطان"و"اللجنة الدولية للحماية من الإشعاعات غير المؤينة" كما شارك في اللقاء "الاتحاد الدولي للاتصالات". وحتى نهاية عام 1997 كانت الدراسات المتعلقة بالآثار الصحية للمجالات الكهرومغناطيسية متفرقة وغير موحدة الاتجاه، مما ساعد علي اختلاط الحقائق بالأوهام حول القضية. ويذكر للصحافة أنها قد وضعت الموضوع علي مائدة الحوار، وإن كان يعتقد أن بعض لصحف السيارة التي تعتمد الإثارة أسلوبا لها، قد ساهمت بشكل سلبي في الموضوع. وخلال السنوات الخمس الماضية من عمر المشروع انعقد أكثر من لقاء وورشة عمل ومؤتمر ضمن فعاليات المشروع الدولي للمجالات الكهرومغناطيسية. ففي فيينا انعقد خلال مايو 1997 اجتماع حضره 120 خبيرا لمناقشة الآثار الصحية. وأشار المجتمعون إلي أن نقص المعلومات حول المضار الصحية ليس هو السبب الوحيد في افتقاد ثقة الناس، بل إن هناك أسباب أخرى نفسية-اجتماعية، كما أن انعدام التواصل بين العلماء والحكومات والجماهير والشركات يدعم حالة عدم الثقة. وفي ماستريخت بهولندا انعقدت خلال شهر يونيو 1999 حلقة نقاشية حول الآثار الصحية التي قد تنتج جراء التعرض لمجال ذي مدي تردد من 300هيرتز-10ميجا هيرتز. وأعقب المؤتمر يومان من لقاءات مجموعات العمل انتهت لتقرير يعترفون فيه بوجود "فجوة" في المعلومات يجب أن تغطيها البحوث العلمية من أجل الوصول لتقييم أفضل للمخاطر الصحية. ويذكر أن اختلاف وتباين المعايير المتبعة بين بلدان العالم المختلفة هو أمر يهم الشركات الكبرى، خصوصا شركات الاتصالات. فاختلاف معايير الأمان، حتى ولو بنسبة 0.1 يعني في لغة الشركات الكبرى ملايين الدولارات. لذلك يبدو طبيعيا أن تسعي الشركات في إطار "عولمة السوق" من خلال منظمة الصحة العالمية وغيرها لتوحيد المعايير أو توفيق المعايير. في هذا السياق بدأت منظمة الصحة العالمية في نوفمبر 1998 في مشروع يستهدف تحقيق توافق بين المعايير التي تعتمدها مختلف الدول. ففي سبتمبر 1990 انعقدت في موسكو حلقة نقاش تحت عنوان "مشكلات الأمان الكهرومغناطيسي" هدفت أساسا لمعالجة الاختلاف الواضح في المعايير بين روسيا ودول شرق أوروبا من جهة وغرب أوروبا والولايات المتحدة وكندا من جهة ثانية. وقد تواصلت علي مدار العامين الماضيين اللقاءات وورش العمل والمؤتمرات في إطار المشروع الدولي للمجالات الكهرومغناطيسية ومشروع التوافق بين المعايير المختلفة. ويفترض أن تعلن "الوكالة الدولية لبحوث السرطان" نتائج أبحاثها حول علاقة المجالات الاستاتيكية ومجال الترددات المنخفضة جدا بالسرطان، والوكالة الدولية لبحوث السرطان هي منظمة أهلية معترف بها من قبل منظمة الصحة العالمية. أما منظمة الصحة العالمية فقد كان من المفترض أن تعلن عام 2000 -بالاشتراك مع اللجنة الدولية للحماية من الإشعاعات غير المؤينة- نتائج أبحاثها حول المخاطر الصحية المرتبطة بالمجالات الاستاتيكية ومجال الترددات المنخفضة جدا. كما يتوقع أن يصدر في عام 2003 عن "الوكالة الدولية لبحوث السرطان" تقريرا علميا يتضمن تقييما علميا شاملا حول علاقة الترددات الراديوية بالسرطان. كما يفترض أن يصدر في عام 2004 عن منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للحماية من الإشعاعات غير المؤينة تقريرا يتضمن رأيا نهائيا وحاسما حول المخاطر الصحية الناجمة عن التعرض للترددات الراديوية. وللدلالة علي أهمية القضية، يذكر أنه حتى عام 1995 كان قد خصص نحو 23 مليار دولار لإجراء بحوث حول المجالات الكهرومغناطيسية، وتتوقع مصادر أنه سوف يتم تخصيص نحو تريليون دولار حتى عام 2010. وعلي الرغم من أن منظمة الصحة العالمية لم تقل كلمتها النهائية بعد فإن الأمر يبدو وكأنه يصب مسبقا في صالح شركات التليفون المحمول، ليروجوا كل ما لديهم من تكنولوجيا ملوثة وضارة إلي أن يصدر رأي نهائي عن منظمة الصحة العالمية. فلماذا لا تعلن المنظمة آرائها أولا بأول؟ إن تأخر استجابة منظمة الصحة العالمية لشكاوي السكان وتأجيلها إعلان نتائج دراستها يدفعان إلي التشكك في تعرض منظمة الصحة العالمية لضغوط جعلتها تؤجل إعلان كل شيء وأي شيء. وعلي أية حال فإن منظمة الصحة العالمية قد شددت مرارا علي أهمية القيام بأبحاث ودراسات في آثار الترددات الراديوية خصوصا محطات التليفون المحمول المقامة فوق أسطح البيوت من أجل الحيلولة دون أية مخاطر قد تحدث علي المدى البعيد. لا تقتصر دوافع هذه الأبحاث علي تهدئة المخاوف المتزايدة من آثار الترددات الراديوية، بل تجد مبرراتها في حداثة التكنولوجيا المستخدمة ذاتها وتضارب التقييمات العلمية الخاصة بآثارها علي صحة المواطنين، إضافة إلي الطابع التراكمي لتأثيرات الترددات الراديوية، فوفقا للتقديرات العلمية المتوافرة "فإن القصور في معرفة هذه التأثيرات يؤدي لعواقب وخيمة، نظرا لصعوبة اكتشاف مرض السرطان إلا بعد مرور أكثر من عشر سنوات من بداية التعرض، ولذلك فمن الضروري إجراء العديد من الأبحاث لدراسة تأثير هذه التكنولوجيا نظرا لأن شركات التليفون المحمول لا تعطي أية بيانات عن تأثير استخدامه لفترات طويلة أو حتى قصيرة، لآن هذه الدراسات لم تجر من قبل لحداثة هذه التكنولوجيا" . وتتزايد أهمية هذه الدراسات في ضوء آثارها المحتملة علي تزايد الإصابة بالأورام السرطانية، فإذا كان من الطبيعي أن تتحول بعض الخلايا العادية في جسم الإنسان إلي خلايا سرطانية، يقوم الجهاز المناعي، إذا كان سليما، بالتخلص منها، فإن التعرض للترددات الراديوية يزيد من احتمالات إصابة الخلايا كما أنه يضعف قدرة الجهاز المناعي علي التخلص منها، " فعند تعرض المخ للإشعاعات المنبعثة من التليفون المحمول فإن نسبة التحول السرطاني في الخلايا ترتفع بشكل واضح" . حيث أثبتت بعض الدراسات التي أجريت علي حيوانات تعرضت لترددات أعلي من 100كيلو هيرتز "أن التعرض لهذه الترددات يؤدي لحدوث بعض الأورام" . كذلك فإن المصادر الإشعاعية غير المؤينة عند ترددات 300ميجا هيرتز أو أكثر تؤدي لزيادة معدل انقسام الخلايا في الأنسجة. وتحث منظمة الصحة العالمية الحكومات علي اتخاذ إجراءات احتراسية لتفادي أي خطر محتمل. وأكد المؤتمر الوزاري الثالث الذي عقد في لندن 1999 حول البيئة والصحة علي الحاجة إلي تطبيق صارم لمجموعة من المبادئ الاحتراسية منها مبدأ الوقاية-تفادي المخاطر-العمل عند المستويات الدنيا الضرورية للتشغيل. (I) مبدأ الوقاية: وهو أحد عناصر الأمان الأساسية ويتضمن سياسة لإدارة المخاطر يتم تطبيقها في حالة عدم وجود درجة عالية من التيقن العلمي. ويعكس مبدأ الوقاية ضرورة اتخاذ كل التدابير الممكنة من أجل تدارك خطر قد يحدث مستقبلا دون انتظار لنتائج البحوث العلمية. وقد أقرت محكمة العدل الأوروبية بأنه يجب القيام بقياسات وقائية دون انتظار لما ستسفر عنه البحوث العلمية. (II) تفادي المخاطر: ويتضمن اتخاذ خطوات عملية من أجل حماية السكان من خلال تطوير وإعادة تصميم الأنظمة الكهربائية والأجهزة، بما يعني تطوير تكنولوجيا "أنظف"و"أكثر أمانا". ويتطلب مبدأ تفادي المخاطر ضرورة القيام بقياسات بسيطة وسهلة التنفيذ وغير مكلفة اقتصاديا. ويذكر أن دوائر شركات الاتصالات تسوق لمبدأ مؤداه أن الكلفة الاقتصادية لتطوير تكنولوجيا جديدة نظيفة وأكثر أمانا هي أقل من كلفة جعل التكنولوجيا الحالية آمنة. وهذا يعني عمليا إعطاء الشركات الفرصة لكي يبيعوا كل ما لديهم من تكنولوجيات "غير نظيفة". (III) العنصر الثالث من عناصر السياسات الاحتراسية يعني أن تعمل الأجهزة عند الحدود الدنيا اللازمة للتشغيل وهذه مسئولية الشركات. فإذا كانت الأجهزة تعمل بكفاءة عند ترددين، وجب اختيار الحد الأدنى اللازم للتشغيل. ويذكر أن هيئة الأغذية والعقاقير الأمريكية قد طالبت شركات التليفون المحمول بتصميم أجهزة تقلل إلي أدنى حد ممكن من تعرض المستخدمين والسكان لمجال الترددات الراديوية. وفي يونيو الماضي انعقد في لندن مؤتمر دولي حول شبكات التليفون المحمول وعلاقتها بالبيئة شارك فيه أكثر من مائة من الخبراء والمتخصصين. وأكد المؤتمر علي ضرورة البحث عن وسائل لتحسين غابة هوائيات المحمول المنتشرة في لندن. وطرح المؤتمرون فكرة اشتراك أكثر من شركة في هوائي واحد(؟) مما يقلل من كثافة الهوائيات خصوصا في المناطق السكنية المزدحمة. وأوصي المؤتمر بضرورة نشر الوعي المتعلق بالمجالات الكهرومغناطيسية المرتبطة بالتليفون المحمول ومحطاته عن طريق إظهار الحقائق العلمية. وفي ختام هذا الفصل نود أن نذكر أننا استعرضنا عددا من الاحتجاجات ضد بناء محطات للتليفون المحمول، لنؤكد أن اهتمام السكان في مصر بالقضية ليس شاذا. ومع ذلك يخرج علينا "المسئولون" ليهاجموا ما أصاب الناس من "هوس" التليفون المحمول، وكأنهم يستكثرون علينا الاهتمام بقضية تخص صحة الآلاف. ورغم أن المعايير المصرية للأمان -علي الأقل في حدودها النظرية- ليست الأفضل علي مستوي العالم كما يقول السيد الوزير بشجاعة، نقول انه رغم أنها أعلي مما هو متبع في نيوزيلندا واستراليا والمجر وروسيا وسويسرا و… ، إلا أنهم يزعمون أن "كود الأمان المصري هو الأفضل" فكيف نصدق ذلك؟ وقد عرضنا لكيفية أن معارضة السكان قد دفع الحكومة في نيوزيلندا وأستراليا إلي الطريق الصحيح، وهو طريق تطوير معايير أمان جديدة تكون مبنية علي دراسات صحية تجري علي السكان ولا تكون قاصرة فقط علي الاعتبارات الفنية والهندسية. كذلك عرضنا لدور منظمة الصحة العالمية وكيف أن مصر خارج المشروع الدولي للمجالات الكهرومغناطيسية وخارج مشروعات المنظمة ذات الصلة. ورغم أن تأجيل منظمة الصحة العالمية يدفع للشك في احتمال تعرض المنظمة لضغوط بعض الجهات ذات الصلة بشركات الاتصالات، إلا أن خلاصة ما نود قوله هنا، أن الاهتمام بتوفير الأمان لا يشمل فقط مجموعة صماء من الاشتراطات، بل يجب أن يتضمن سياسات وآليات تنفيذية شفافة وواضحة. أما ما يحدث في مصر، سواء في البروتوكول الذي صدر "بعد الهنا " بحوالي أربعة أعوام، أو في آليات التنفيذ التي تكشف قدرا هائلا من المركزية فيما يتعلق بجهاز تنظيم مرفق الاتصالات، وقدرا أكبر من "تداخل المسئوليات" بين وزارة البيئة والصحة والتنمية المحلية ووزارة الاتصالات والمحافظات، بعد أن أوكل للمحافظين مسئولية تنفيذ ومتابعة مدي التزام الشركات بالمواصفات المقررة، وهو ما يثير مخاوف جادة من احتمال تباين وتضارب الاشتراطات المطلوبة من محافظة لأخرى. من ناحية أخرى يجب العمل علي توفير الإمكانات البشرية والمادية والفنية اللازمة لمراقبة عمل المحطات، إذا كنا نرغب فعلا في تطوير نظام حكم محلي حقيقي، تكون فيه كلمة السكان المحليين مسموعة وذات أثر في توجيه السياسات نحو زيادة عناصر الأمان بالنسبة لهم. ونظرا لأن منظمة الصحة العالمية سوف تعلن نتائجها حول محطات التليفون المحمول بعد ثلاثة أعوام من الآن، فإننا مطالبين بالأخذ بالأحوط، فكما قال القدماء "درهم وقاية خير من قنطار علاج". فهل نقف مكتوفي الأيدي في انتظار نتائج دراسات منظمة الصحة العالميةّ! يبدو أن هذا هو ما تريده شركات التليفون المحمول والحكومة تساعدها بوضوح في بناء وتركيب محطاتها القديمة قبل صدور أي إعلان عن منظمة الصحة العالمية. وبعد أليس لدي المصريون إذن مبررات للشكوى وللشك؟ الفصل الثالث: الواقع الميداني في مصر: دخلت خدمة التليفون المحمول لمصر في نوفمبر 1996، وكانت في البداية تقتصر علي القاهرة والإسكندرية والغردقة وشرم الشيخ والأقصر وأسوان. وحتى عام 1998 كان عدد المحطات قد بلغ 141 محطة تخدم نحو 100 ألف خط تليفون. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن زاد عدد الخطوط ليصل لحوالي 2.7 مليون خط ونحو 2314 محطة. أما عن مخاوف السكان في مصر من المجالات الكهرومغناطيسية فهي قديمة وتكشف عن وعي نسبي بمخاطر التكنولوجيا. فالمخاوف من آثار مجالات الترددات المنخفضة جدا، مثل شبكات الكهرباء عالية الجهد، قديمة وتزخر صفحات المحليات والبيئة بالعديد من الشكاوى. حتى سكان الريف الذين أجبرتهم قوانين الحاكم العسكري علي عدم البناء علي الأراضي الزراعية يمتلكون هذا الوعي، حيث دفع النمو العمراني في الريف بعض السكان للإقامة بجوار هذه الشبكات. كذلك الحال في الأحياء العشوائية خارج القاهرة مثال "عزبة الهجانة" وبعض القرى الأخرى حول القاهرة والجيزة. السكان المحليون يتصفون بدرجة من الوعي تدفعهم لتكرار الشكوى، صحيح أن هناك من القوانين ما ينظم حماية السكان من محطات وشبكات كهرباء الجهد العالي، ولكن أين هذه القوانين في الواقع؟ إن الآلاف من السكان في القاهرة وما حولها يتعرضون لمجال ترددات منخفضة علي نحو متزايد ويهدد بكارثة. وكذلك لدي السكان وعي بأن محطات الإذاعة والتليفزيون قد تهدد صحتهم علي نحو ما، ما هو هذا التهديد بالضبط، هذا هو ما لا يعرفونه. وبدخول التليفون المحمول ومحطاته إلي "المشهد" بدأت الهواجس تتزايد حتى دعمتها بعض أحاديث وحوارات صحفية وآراء علماء. المسألة إذن جديرة بالاهتمام. هنالك مجموعة من الضوابط والالتزامات التي يجب أن تحترمها شركات التليفون المحمول لحماية صحة السكان. ومن هذا المنطلق صدر بروتوكول ثلاثي عن وزارات الصحة والبيئة والاتصالات. صدر البروتوكول بعد دخول الخدمة بنحو أربعة سنوات، كانت الشركات خلالها قد أقامت عددا هائلا من المحطات. علي أي أساس -إن وجد- أقامت الشركات هذه المحطات؟ ومن الذي منحهم الترخيص بذلك؟ وبأي صفة؟ إننا نتحدث هنا عن حوالي 1500 محطة تم بناؤها قبل صدور البروتوكول وهو لائحة التزامات يجب احترامها، ولا يرقي لمستوي القانون فضلا عن خلوه من العقوبات، التي وإن وجدت فغالبا ما تكون إزالة المخالفة علي نفقة المخالف!!. تزايدت المخاوف والشكاوى ولكن السادة المسئولين تعالوا علي أسئلة الناس، ورغم أن بعضهم صرح أن "جهاز تنظيم مرفق الاتصالات يتلقى يوميا عشرات الشكاوى" إلا أنه استدرك قائلا أن بعض هؤلاء الشاكين مثل "فلاح اتهم محطة المحمول بقتل مواشيه وذبول محصوله بسبب الإشعاع المنبعث من المحطة". ورغم أنه يفترض في المسئولين تهدئة مخاوف الناس، إلا أن هناك نوع منهم يقرع كل من يجأر بالشكوى. رغم ذلك يعترف المسئولون، صغيرهم وكبيرهم، بأن قضية التليفون المحمول ومحطاته عالمية وليست مصرية فحسب. ورغم هذا الاعتراف إلا أن مسئولينا يتميزون بجرأة شديدة في الإعلان بأن كل شيء تمام، "لا مخاطر من محطات المحمول" هذه هي اللافتة المرفوعة من قبل المسئولين. من ناحيتنا سنكون سعداء للغاية متي ثبت انه لا مخاطر، ولكن بطريركية الصحة العالمية/منظمة الصحة العالمية أجلت إعلان نتيجة دراستها حول مخاطر الترددات الراديوية الصادرة عن التليفون المحمول ومحطاته. فمن أين إذن يدعي هؤلاء أنه لا مخاطر، ألا يعد هذا استباقا للبحث وضربا من العرافة "الكهانة"؟ نحن لا نقطع بآثار ضارة حتى الآن، وننتظر أن نستمع لكلمة نهائية وحاسمة حول الموضوع في عام 2005. لكننا لا يجب أن ننتظر نتائج البحوث التي تجري في الخارج، لابد أن تكون لدينا خطة لدراسة آثار الترددات الراديوية الصادرة عن التليفون المحمول ومحطاته. خطة تأخذ في الاعتبار المستوي الصحي العام -المتواضع-للمصريين. ونحن نسأل: هل لدي وزارة الاتصالات والمعلومات، أو وزارة الصحة، أو وزارة الدولة لشئون البيئة خطة عمل في الموضوع؟ ثانيا: معارضة السكان لبناء المحطات: شهد الصيف المنصرم حوادث عديدة تمثلت في حركات مقاومة قام بها السكان لمنع إقامة وتشغيل محطات التليفون المحمول. كما زخرت صفحات الشكاوى والبيئة بالصحف بالعديد من شكاوى الناس والتحقيقات الصحفية حول الترددات الراديوية الصادرة عن التليفون المحمول ومحطاته، فوفقا لتصريح السيد محافظ القاهرة: "زادت الشكاوى الواردة من مواطني المحافظة ضد شركات المحمول، خاصة فيما يتعلق بمخالفات في تركيب المحطات". وكان مصدر مسئول بوزارة شئون البيئة قد اعترف بمخالفات في "ثلاثة محطات" فقط من بين أكتر من مائة شكوى تلقتها الوزارة. أما د. مجدي علام -مدير جهاز شئون البيئة لشئون القاهرة الكبرى والفيوم- فقد صرح بحدوث العديد من التجاوزات من جانب شركات التليفون المحمول "خلال الفترة الماضية حدثت تجاوزات بالفعل من شركات المحمول. كنا نتلقى شكاوى من مواطنين يتضررون فيها من محطات المحمول وصل عددها لحوالي 300 شكوى شهريا وتأكدنا من صحة نسبة كبيرة منها". ويوضح التصنيف الإداري لهذه المخالفات استئثار العاصمة بنسبة كبيرة منها "احتلت القاهرة المرتبة الأولي من حجم المخالفات" وكانت مصادر مسئولة بوزارة الاتصالات قد أعلنت من قبل أنه من بين 103 حالة وردت بشأنها شكاوى -لم تثبت صحة أي من هذه الشكاوى- ثم عادت نفس المصادر المسئولة فاعترفت "بمخالفة" واحدة في محطة من بين 104 شكوى وردت بشأن المحطات. بينما كان هناك -ولا يزال- مسئولون يقولون "أن كل شيء علي ما يرام" ومما سبق نخلص إلي أنه من المؤكد أن هناك شكاوى عديدة تقدم بها سكان ضد شركات المحمول، واللافت للنظر هنا أنه بينما يفترض أن يكون جهاز تنظيم مرفق الاتصالات هو جهة تلقي الشكاوى والتحقيق فيها، إلا أن السكان غالبا ما يتقدمون بشكاواهم لوزارة البيئة والوحدات المحلية وأقسام البوليس والصحف أيضا. وإذا ما حاولنا إحصاء عدد الشكاوى التي تلقتها كل تلك الجهات لزاد عدد الشكاوى عن عدد المحطات، مما يعني أن هناك محطات قدمت بشأنها أكثر من شكوى. والشكوى، سواء كانت فردية أم جماعية تعتبر أول وأبسط طرق الاحتجاج. وإذا كان الناس يشتكون لجهاز تنظيم مرفق الاتصالات ووزارة البيئة، فمن الغريب حقا أن الشكاوى من النوع الأول غالبا ما يعلن الجهاز أنها في غير محلها، في حين أن الشكاوى المرسلة لوزارة الدولة لشئون البيئة تكون تقريبا في محلها. لقد تم رصد حوالي 30 احتجاج، وهو عدد قليل يمثل عينة فقط من المحطات التي أثيرت حولها المخاوف، قام بها السكان في مدن مختلفة خلال الشهور الست الماضية. توزعت هذه الاحتجاجات علي عشرة محافظات كالتالي: القاهرة-الجيزة-الإسكندرية-القليوبية-المنوفية-الشرقية-بني سويف-أسيوط-البحيرة-دمياط. وقد تبلورت المعارضة المحلية لبناء المحطات في اثنتي عشر مدينة تركزت أساسا في القاهرة والإسكندرية والجيزة. ولم يقتصر الأمر علي المدن فقط، فقد قام السكان في إحدى قري مركز أوسيم بمحافظة الجيزة بالاحتجاج علي بناء محطة بجوار مدرسة ونجحوا في إيقاف تشغيلها. كما توزعت احتجاجات السكان علي شركتي التليفون المحمول، وإن كانت شركة "موبينيل" قد حازت السبق في الاحتجاجات التي وقعت في الإسكندرية. غالبا ما كانت الاحتجاجات تتخذ من الشكوى الفردية أسلوبا، وفي أحيان أخرى كان يتم توقيع الشكوى من اثنان أو ثلاثة من المتضررين. وقد تطورت أشكال الاحتجاج في عدد قليل من الحالات إلي "مشاجرات" بين المتضررين ومسئولي الشركات، أو بين المتضررين وصاحب العقار. وفي حالة محطة أوسيم تطور الاحتجاج ليأخذ شكل تنظيم دوريات حراسة ليلية ونهارية يقوم بها عدد من السكان لمنع المهندسين من تشغيل المحطة. وفي بعض الحالات تطور شكل المقاومة وأفرز نتائج إيجابية تمثلت في نجاح السكان في منع إقامة المحطة أو علي الأقل الضغط علي ممثلي الشركة لاستكمال تراخيص إقامة المحطة- وهو ما يعني عمليا نجاح السكان، فليس المطلوب عدم إقامة المحطات علي الإطلاق، فذلك موقف "طوباوي" وإنما المطلوب أو بالأحرى الواجب أن تقام المحطات بالتوافق مع متطلبات الأمان وأن تكون مستوفية للتراخيص. تعكس الشكاوي التي تم رصدها تعدد نوعية المخالفات في محطات التليفون المحمول، فنصفها تقريبا تم بناؤه وتوصيل الكهرباء إليها، بل وتشغيلها قبل استيفاء التراخيص المطلوبة. ويبدو أن هذا هو دأب الشركات، فهي تقيم المحطات ثم تسعي في طلب التراخيص، حدث ذلك في القاهرة والإسكندرية. ارتبط نوع آخر من التجاوزات بمخالفات البناء مثل قرارات الإزالة أو التنكيس لمنازل تم بناء محطات فوق أسطحها. ويذكر أن عددا كبيرا للغاية من مخالفات البناء في القاهرة والإسكندرية لا يتم تنفيذها. بالتوازي مع ذلك كانت هناك مخالفات متعلقة باشتراطات البيئة الواردة بالبروتوكول الثلاثي في نحو عشرة محطات. كذلك تأكد علي نحو قاطع زيادة جرعة الإشعاع عن الحد المسموح به في محطة واحدة علي الأقل. ففي قويسنا وجد أن الإشعاع الصادر من المحطة المقامة فوق برج الزراعيين يبلغ أربعة أضعاف الحد المسموح به. |
3أ شارع محمد حجاج من شارع محمود بسيوني - ميدان عبدالمنعم رياض - الدور الثالث شقة 17 .تليفون : 5744428 / 5781003 فاكس : 5744428 بريد الكتروني : egypt@echr.org تصميم : جمال عيد |