|
|
المركز المصري لحقوق السكن |
|
دماص واحتمال كارثة وبائية
5/5/2002
استكمالا لمسلسل الكوارث "الطبيعية" التي أضحت قدر فقراء المصريين، من حريق للقطارات وانهيار للمنازل، كان أهالي قرية دماص، مركز ميت غمر، محافظة الدقهليه علي موعد مع فصل آخر من تلك المآسي، رغم توافقه مع السياق العام الذي يقصر نوائب الدهر علي الفقراء والمعوزين، إلا أن خصوصيته تكمن في إسقاطه للبعد التاريخي واستلهامه لذخيرة القرون الوسطي. ففي هذا العصر ، عصر العولمة والتكنولوجيا المتطورة كان أهالي قرية دماص علي موعد مع ميكروب التيفويد الذي استشري فيما بينهم إلي أن بلغ حدود الكارثة الوبائية وفقا لتصريحات د. محمد عوض تاج الدين وزير الصحة لجريدة العربي بتاريخ الرابع والعشرين من شهر مارس الماضي.ذاعت أخبار هذه الكارثة مع منتصف شهر مارس الماضي، عندما تناقل عدد من الصحف القومية والحزبية الخبر مشيرين إلي إصابة أحد عشر شخصا بالمرض، ورواج العديد من الشائعات حول مسئولية مياه الشرب عن انتشار الوباء، وهي المسئولية التي سارعت السلطات المحلية بمحافظة الدقهليه لنفيها ملقية بالاتهام علي الطلمبات الأهلية باعتبارها مصدر الميكروب. إثر ذلك قام المركز المصري لحقوق السكن بإيفاد بعثة تقصي حقائق قامت بزيارة القرية المنكوبة مرتين متعاقبتين بتاريخي 30/3/2002، 6/4/2002. توصلت البعثة لعدد من الحقائق من أهمها: أولا: أن البدايات الحقيقية لظهور الوباء ترجع لمنتصف شهر فبراير الماضي أي قبل ذيوعه إعلاميا بنحو شهر كامل. ثانيا: انحصار الوباء في منطقة واحدة من مناطق القرية وهي الجهة البحرية "شمال شرق" دماص. ثالثا: ضخامة عدد المصابين والذين بلغ عددهم وفقا لشهادات الأهالي وعدد من الأطباء المعالجين حوالي 423 مصابا يتوزعون علي كافة الفئات الاجتماعية والمراحل العمرية مع الغلبة الكاسحة للأطفال أقل من عشر سنوات، حيث بلغت نسبتهم قرابة 75% من إجمالي المصابين. رابعا: هيمنة المنهج الأمني في تعامل السلطات المحلية مع كوارث الفقراء، فقد تمثلت الملحوظة الأساسية لبعثة تقصي الحقائق في كثافة الوجود الأمني في مختلف نواحي القرية، والتعتيم بل والإنكـار شبه الكامل لوجود أية مشكلة، الأمر الذي عرقل إمـكانية قيام البعثة بمهامها كاملة من تحديد لطبيعة الكارثة وأبعادها وأسبـابها، بيد أن الإشكالية الأساسية قد تجلت في تعامل السلطات مع كارثة الوباء ذاتها، فتحت هوس الحفاظ علي الاستقرار لجأت سلطات المحافظة لتشتيت المصابين لتنفي حقيقة الوباء وبالتالي تقصيرها في أداء مهامها وعلي هذا الأساس قامت بتوزيع المصابين علي كل من مستشفي دماص ومستشفي حميات ميت غمر وحميات المنصورة والقاهرة هذا عدا المواطنين الذين تم علاجهم في منازلهم. من ناحية أخري ورغم أن كافة التحاليل التي أجريت للمرضي قد أتت في مجملها إيجابية وهو ما يثبت إصابتهم بالتيفويد إلا أن تسلط الذهنية الأمنية قد انعكس في صدور أوامر مشددة للأطباء بعدم الكشف عن حقيقة الوباء وتشخيص الحالات علي أنها "حمي تحت البحث" وهو التشخيص الذي تلقاه غالبية المرضي الذين تلقوا علاجهم في المستشفيات الحكومية. بالتوازي مع ذلك واستمرار للنهج ذاته سارعت السلطات المحلية للتنصل من المسئولية والبحث عن كبش فداء لتلقي عليه مسئولية الكارثة وهو ما انعكس في تخبطها حيث بدأت بإلقاء المسئولية علي الطلمبات الأهلية، حيث أصدر محافظ الدقهلية "فرمانا" بغلق كافة الطلمبات اليدوية، ثم ألحقت ذلك باتهام الباعة الجائلين، خاصة باعة الجيلاتي واللبن باعتباره مصدر الميكروب. كان من جراء استهانة السلطات والأجهزة المحلية وتضارب التفسيرات الرسمية أن انتشرت الشائعات وتزايدت حدة التوتر الاجتماعي داخل قرية دماص كانعكاس مباشر لتخبط تلك الأجهزة فعلي الصعيد الأول ورغم إصرار الأجهزة المحلية علي مسئولية الطلمبات اليدوية ومطالبتها لمواطني القرية بعدم استخدامها، إلا أنها قامت في الوقت ذاته بمناشدة الأهالي القيام بغلي مياه البلدية التي يحصلون عليها من محطة مياه القرية وهو ما يمثل مفارقة شديدة الغرابة خاصة إذا ما راعينا غياب أية تحاليل معملية سواء لمياه الطلمبات اليدوية أو لمياه محطة القرية. يضاف إلي ذلك عدم اهتمام الأجهزة المحلية بتوضيح أسباب اتهام بعض السلع الغذائية والمرطبات الشعبية بالتسبب في انتشار ميكروب التيفويد وهل يعني ذلك اعترافا ببراءة مياه الشرب بمصدريها الأهلي والحكومي (المحطة الرئيسية والطلمبات الأهلية) من تهمة التيفويد!!. كل هذه التخبطات كانت وراء تفاقم التوتر والتذمر الاجتماعي داخل القرية. علي الصعيد الآخر لم تكن التفسيرات الرسمية مقنعة للكثيرين نظرا لاعتماد غالبية القرية علي الطلمبات اليدوية ولمدة تراوح اثنتي عشر ساعة يوميا كنتيجة لانقطاع المياه الصحية بشكل دائم ويومي منذ الساعة الثامنة والنصف مساءا وحتى الثامنة صباحا تقريبا -وهو ما يأتي كنتيجة لتهالك شبكة المياه الرسمية ومحاولة خفض الضغط عليها فضلا عن الاتجاه شبه الرسمي للدولة للترشيد القسري لمعدل استهلاك المياه- الأمر الذي يتناقض مع واقع انحصار وباء التيفويد في منطقة واحدة من مناطق القرية (الجهة البحرية للقرية) وهو الأمر ذاته الذي ينطبق علي السلع الغذائية والمرطبات الشعبية كمصدر للميكروب، فالطابع العشوائي لشراء وترويج تلك السلع داخل القرية يتناقض منطقيا مع انحصار الوباء في نطاق جغرافي محدد. من ناحية أخري وبالتوازي مع التبريرات الحكومية أشارت التفسيرات الشعبية بأصابع الاتهام لمصدرين أساسيين : أولهما مجموعة من مزارع الدواجن يمتلكها آل العناني نظرا لملاصقة هذه المزارع للمنطقة الموبوءة في القرية وعدم التزامها بأي من معايير الأمان الصحي فيما يتعلق بتصريف مخلفاتها، حيث تقوم هذه المزارع بتصريف مخلفاتها السائلة في الأرض المحيطة بها وعبر مواسير لا يزيد عمقها عن 60 مترا وهو ما قد يسمح، طبقا لتقدير الأهالي والمختصين، باختلاط هذه المخلفات بمياه الآبار الجوفية التي تمثل مصدر الشرب الأساسي لأهالي المنطقة. ضاعف من الشكوك الشعبية واقع أن بداية ظهور الوباء قد تمثلت في إصابة اثنين من العاملين بهذه المزارع، فضلا عن مسارعة آل العناني بالمساهمة في علاج بعض المصابين وقيامهم بإهداء جهاز لضخ الكلور لمحطة مياه البلدية (المحطة الرئيسية) بدماص عقب استفحال حدة الوباء وهو ما بدا للأهالي كمحاولة لنفي مسئوليتهم عن انتشار وباء التيفويد. المصدر الثاني الذي توجهت إليه الشكوك هو مسجد العيلة الكائن بالمنطقة الموبوءة نظرا لقيام المسجد بتصريف مخلفاته في بئر علي عمق 50 مترا وهو ما قد يؤدي بدوره لتلويث المياه الجوفية. كانت هذه التناقضات والتضاربات وراء قرار المركز المصري لحقوق السكن بإجراء عدة تحاليل معملية لمياه الشرب المستخدمة في القرية للوقوف علي أسباب ظهور وانتشار وباء التيفويد، وقد قامت بعثة تقصي الحقائق بأخذ أربعة عينات للفحص وبيانها كالتالي: عينة رقم (1) من مياه البلدية في منطقة لم تظهر فيها أعراض المرض. عينة رقم (2) من مياه البلدية من أحد منازل المنطقة المصابة. عينة رقم (3) من مياه طلمبه جوفية من أحد منازل المنطقة المصابة. عينة رقم (4) من مياه طلمبه جوفية من منزل يوجد به أكثر من ثلاثة مصابين. تم أخذ العينات في التاسع والعشرين من شهر مارس الماضي وأرسلت للفحص في معمل متخصص وظهرت النتيجة في الخامس من أبريل الحالي. أتت النتيجة سلبية حيث أكدت التحليلات عدم وجود أية آثار لميكروب "السالمونيلا" المسبب لحمي التيفويد في أيا من العينات الأربع. رغم الأثر المريح الذي خلفته هذه النتيجة إلا أنها أضافت المزيد من الألغاز علي مأساة دماص، فرغم إثباتها براءة المياه، علي الأقل مياه الطلمبات اليدوية من مسئولية انتشار وباء التيفويد إلا أنها لم تقدم أية تفسير لظهور وانتشار الوباء مما أحال تلك المأساة إلي ما يشبه القنبلة الموقوتة التي يمكن أن تتفجر في أي توقيت وتعصف بالأبرياء والفقراء. فإذا كان تفشي أوبئة تنتمي للقرون الوسطي في أوساط البسطاء مع بدايات الألفية الثالثة يمثل مأساة إنسانية، فإن اللامبالاة والتقصير المريع الذي اتسمت به تصرفات السلطات المعنية يحيلها إلي كارثة بل مهزلة إنسانية بكل ما تحمل الكلمة من معاني. فتحت شعار الاستقرار والانضباط أهدرت هذه السلطات أبسط الحقوق الإنسانية وأكثرها أولية، بدءا من إنكارها للحق في المعرفة وتعمدها التعتيم علي كارثة انتشار وباء التيفويد مرورا بتشتيتها للمرضي بل وطردهم في بعض الأحيان قبل تلقيهم العلاج الملائم -وفقا لشهادة أهالي المصابين صدرت أوامر للأطباء في مستشفي حميات ميت غمر باستقبال عدد محدود من المصابين وصرف الباقين ليتلقوا العلاج بمعرفتهم- وانتهاءا بعدم اهتمام تلك الأجهزة باكتشاف السبب الحقيقي لظهور وانتشار وباء التيفويد الأمر الذي يهدد بتفجرها المرة تلو الأخرى. لقد انصب اهتمام تلك الأجهزة علي نفي مسئوليتها عن الوباء ومن هنا كانت مسارعتها بإدانة الطلمبات اليدوية، وكأن اضطرار المواطنين للاعتماد علي تلك الوسائل البدائية وغير الصحية في ظل تشدق الحكومة بإنفاقها مئات المليارات علي المرافق والبنية الأساسية لا يشكل إدانة في حد ذاته. ولكن ورغم ذلك فقد أخفق هذا التكتيك، حيث أكدت التحليلات المعملية التي أجراها المركز خلو المياه من أية آثار للسالمونيلا وهو الأمر الذي يثبت زيف الإدعاء الحكومي بمسئولية الطلمبات اليدوية وإن كان لا يبرئ -علي الأقل بنفس الدرجة- مياه البلدية (المحطة الرئيسية) ، فعلي الصعيد الأول كانت هنالك إمكانية لمعالجة مياه محطة البلدية منذ ظهور الوباء في منتصف شهر فبراير وحتى ذيوع موضوع الوباء إعلاميا في منتصف شهر مارس، الأمر الذي ترجحه بعض الشواهد من بينها ما ذكره عدد من الأهالي عن قيام السلطات المحلية باعتماد الموازنات المالية اللازمة لاستبدال مواسير شبكة المياه بالكامل إضافة إلي قيام آل العناني بشراء وإهداء جهاز ضخ الكلور لمحطة البلدية. تكتسب هذه الشكوك قدرا عاليا من المصداقية عند مراجعة المعاناة التاريخية، ليس لأهالي دماص وحدهم ولكن لمواطني محافظة الدقهلية برمتهم مع مياه الشرب. فوفقا للأرقام الرسمية المتوافرة توجد 89 عزبة يسكنها قرابة 600 ألف نسمة في مراكز المنزلة والسنبلاوين وميت غمر لم تعرف طعم مياه الشرب العذبة وتعتمد كلية إما علي المياه الجوفية أو علي المياه التي تنتجها محطات بدائية ومتهالكة مثال محطة "جالية" المتنقلة التي تتغذى من ترعة النيل الواقعة بمدخل مدينة بلقاس والتي تأتي مخلوطة بالديدان وجميع أنواع الطفيليات كنتيجة لاستخدام هذه الترعة كمصب لمياه الصرف الصحي الخاصة بمدينة بلقاس ، مما أدي لانتشار العديد من الأمراض والأوبئة مثل التيفويد والبلهارسيا والكوليرا والوباء الكبدي (A-B-C) والفشل الكبدي بين مواطني محافظة الدقهلية وهو الأمر الذي أكدته التصريحات الرسمية ذاتها، حيث سبق أن صرح محمد محمود عبد الرحمن -أمين عام الحزب الوطني بالدقهلية- بارتفاع نسبة الإصابة بفيروس الوباء الكبدي (سي) والتي تصل لنحو 30% من إجمالي سكان محافظة الدقهلية نتيجة اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي . بالطبع فإن هذا الوضع المأساوي ليس حكرا علي أهالي دماص أو مواطني محافظة الدقهلية وحدهم، فهو قدر الفقراء في كافة ربوع مصر "المحروسة". فوفقا للحصر العام الذي أجراه الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة في عام 1996 فإن هناك نحو 3.4 مليون أسرة تشرب مياها غير نقية، منها مليون و300 ألف أسرة تعتمد علي الطلمبات الأرضية غير المطابقة للمواصفات والتي تنشئها بالجهود الذاتية وقرابة 2 مليون أسرة تعتمد علي نقل مياه الشرب من محطات تسحب من الترع والمصارف أو تتولي نقل المياه داخل خزانات مما يعرضها للتلوث. علي الصعيد الآخر يوجد حوالي 6.5 مليون أسرة من إجمالي 8.5 مليون أسرة داخل المدن والريف بأقاليم مصر تعيش دون شبكات للصرف الصحي والنتيجة أن يتحول الصرف لباطن الأرض لينتقل عبر طلمبات المياه إلي أجساد المصريين ليتحالف عليهم الفقر والقمع والمرض. لقد تبارت الأجهزة الحكومية عند ظهور وباء التيفويد في دماص علي اختزال الكارثة ونفي أبعادها الوبائية متجاهلة العديد من الحقائق التي اعترف بها عدد من المتخصصين ومن أهمها ارتفاع معدلات الإصابة بالتيفويد خلال العام الحالي بنسبة 20% مقارنة بالعام الماضي . إضافة إلي ظهور ميكروب التيفويد في مناطق عديدة ومتفرقة من أنحاء الجمهورية، فقد كانت بدايات الإصابة بالتيفويد -التي أمكن رصدها- في محافظة القليوبية وبالتحديد في منطقتي الخانكة والقلج، ثم بعد ذلك ظهرت العديد من حالات الإصابة في عدد من قري المحلة الكبرى بمحافظة الغربية وبالتحديد في قريتي بطينة وأبو علي . في كافة هذه الحالات كان تلوث خزانات المياه العمومية وارتفاع منسوب المياه الجوفية واختلاط مياه الشرب بالمجاري وراء إصابة الأهالي بالتيفويد. تعكس الحقائق السابقة حجم الكارثة التي تحدق بالفقراء والمعوزين الذين يبدو وكأن خطط التطوير والتنمية تتجاهلهم عن عمد وتتركهم فريسة لأمراض وأوبئة القرون الوسطي. علي الصعيد الآخر يشير سياق ظهور وتفشي التيفويد وغيره من الأوبئة بأصابع الاتهام إلي المياه باعتبارها المصدر الرئيسي للإصابة بالأمراض والأوبئة كما تؤكد مسئولية السياسات الحكومية عن تفاقم وتفشي الأمراض والأوبئة في أوساط الفقراء فمأساة التيفويد في دماص سلسلة لم تكتمل حلقاتها إلا بتسلط السلطات والأجهزة المعنية وإهدارها لأبسط حقوق الإنسان. ففي ظل لهاثها لنفي مسئوليتها عن ظهور الوباء نسيت السلطات المحلية أو تجاهلت أن مسئوليتها الأساسية إنما تتمثل في الحفاظ علي أرواح وصحة المواطنين واستئصال أسباب الوباء. فحتى إذا ما سلمنا "جدلا" ببراءة مياه البلدية من مسئولية ظهور التيفويد في دماص، فإن ذلك لا يعني براءتها من ظهور وتفشي العديد من الأمراض والأوبئة علي امتداد الخارطة المصرية، كما أنه لا يقلل من مسئولية السلطات والأجهزة المحلية عن انتشار الوباء كنتيجة لهيمنة الذهنية الأمنية واعطاء الأولوية للاستقرار بالمعني السياسي والأمني علي حساب الحقوق الأولية للمواطنين، إضافة إلي مسئوليتها عن اكتشاف الأسباب الحقيقية لظهور وتفشي وباء التيفويد في دماص. |
3أ شارع محمد حجاج من شارع محمود بسيوني - ميدان عبدالمنعم رياض - الدور الثالث شقة 17 .تليفون : 5744428 / 5781003 فاكس : 5744428 بريد الكتروني : egypt@echr.org تصميم : جمال عيد |