|
|
|
قانون الجمعيات يصادر العمل التطوعي
يمثل القانون الجديد الحلقة الثانية في مسلسل تأميم العمل الأهلى وذلك بعد أن تبلورت الحلقة الأولى فى القانون رقم 153 لسنة 1999، وهو القانون الذى صدر حكم بعدم دستوريته فى يونيو عام 2000 نتيجة لإغفال الحكومة عرض مشروع القانون على مجلس الشورى، آنذاك بررت الحكومة تسرعها فى إصدار القانون بعدد من الحجج يمكن إجمالها فى التالى:- عدم صلاحية القانون القديم 32 لسنة 64 للعمل فى ظل التطور الحادث فى المجتمع.- إضرار بعض المراكز بمصلحة الوطن عبر ما تصدره من تقارير حول حقوق الإنسان. - قيام بعض المراكز نتلقى تمويل ومساعدات مالية من جهات مشبوهة. ارتأت الحكومة في هذه الحجج مبررا كافيا لإصدار القانون رغم مجافاتها للمنطق وللمفاهيم الأساسية للعمل فى مجال حقوق الإنسان وهو ما يمكن بلورته فى النقاط التالية:أولا : التناقض ما بين الحكم بعدم صلاحية القانون 32 لسنة 64 وتأميم العمل الأهلى، فعدم ملائمة أحد القوانين يفرض صياغة تشريعات تتيح المشاركة فى العمل الاجتماعي وتمنح القطاع الأهلى حرية أوسع لادارة المجتمع بالتوازي مع أجهزة الدولة.ثانيا : الطابع الملتبس الذي صيغ به مفهوم "المصالح الوطنية" والذي يحيل أية انتقادات لسياسات الحكومة إلى جريمة كبرى. ففى الوقت الذى تنتهك فيه آدمية المواطنين ويحرمون من العديد من حقوقهم الأساسية يصبح لزاما على كافة الهيئات والمؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان التزام الصمت إعلاءا لمفهوم غامض بل ومغلوط يعلي من مصلحة الوطن على حساب مصلحة المواطن وكأننا لا زلنا نعيش في العصور الوسطي ونظرياتها عن الحق الإلهي فى الحكم، حيث يصبح إهدار مفهوم وحقوق المواطنة معادلا لمصلحة الوطن ورفعته!! ثالثا : التصيد الواضح فيما يتعلق بمسألة التمويل، خاصة وأنه أمر معمول به فى كافة أنحاء العالم، حيث تنفق كافة المنظمات الغير حكومية على أنشطتها من خلال مراكز تمويل معروفه للكافة وبين بعضها والحكومة المصرية بروتوكولات تعاون معلنة، وإذا كان من الوارد -وفقا لقانون الاحتمالات- أن تحدث بعض حالات الفساد، كما هو وارد فى أجهزة الدولة ذاتها، فإن القوانين العقابية المعمول بها كفيلة بمعاقبة الفاسد. القانون الجديد والدستور: الدستور المصري الصادر سنة 1971 من الدساتير المكتوبة، وقد نص فى عدد من نصوصه على الحقوق والحريات الأساسية للمواطن، والتى تشكل فى مجموعها منظومة متناغمة بحيث لا يمكن فصل حق عن آخر.كما لا يجوز وضع أية قيود عليها، وهى تشكل مع باقي الدستور"القانون الأعلى" وبالتالي تلزم المشرع عند وضع أى تشريع بعدم مخالفة الدستور وقد أنشئت المحكمة الدستورية العليا لمراقبة المشرع قضائيا، لان مخالفة أى قانون للدستور يجعله منعدماً لمخالفته النظم والحريات الأساسية المنصوص عليها بالقانون الأعلى. وقد أكد الدستور المصري في المواد "47 ،48 ، 54 ، 55 ، 56 ،57 "بالإضافة للمادة "36 " على منظومة متناغمة تشكل الحقوق الأصلية للمواطن، بحيث لا يمكن فصل حق عن الأخر، فحق الرأى لا يمكن فصله عن حق النشر أو عن حق تشكيل الجمعيات. انطلاقا من هذه القاعدة يمكن الحكم علي القانون الجديد، القانون 84 لسنة 2002، والذي يحفل بالعديد من النصوص المناقضة للدستور. فالمادة 55 من الدستور علي سبيل المثال "للمواطنين حق تكوين الجمعيات على الوجه المبين بالقانون ويحظر إنشاء جمعيات يكون نشاطها معاديا لنظام التجمع أو سريا أو ذا طابع عسكري " مادة شديدة الوضوح فقد أطلقت حق تكوين الجمعيات والمقصود هنا بمقولة "على الوجه المبين بالقانون " أن يكون القانون منظما لهذا الحق وليس مقيدا له، والدليل على ذلك تحديد المادة على سبيل الحصر الأنشطة المحظورة على الجمعيات والتى تحددها فى أن يكون نشاطها ضد التجمع، أو سريا، أو ذا طابع عسكري. علي هذا الأساس حددت المادة حصرا الأنشطة المحظورة ولا يحق للمشرع إضافة أى حظر آخر، إلا أن المشرع فى قانون الجمعيات الجديد، القانون 84 لسنة 2002 يمعن فى تقييد هذا الحق واطلاق يد جهة الإدارة، ممثلة فى وزارة الشئون الاجتماعية في رفض قيد الجمعية " المادة 56 " من القانون، كذلك حظر أنشطة لم ترد فى النص الدستوري " المادة 11 من القانون " وهى المادة التى أثارت جدلا واسعا وتنص على " تعمل الجمعيات على تحقيق أغراضها في الميادين المختلفة لتنمية المجتمع وفقا للقواعد والإجراءات التى يحددها القانون واللائحة التنفيذية ويجوز للجمعيات بعد اخذ رأى الاتحادات وموافقة الجهة الإدارية، أن تعمل في اكثر من ميدان ويحظر إنشاء الجمعيات السرية كذلك أن يكون من بين أغراض الجمعية أن تمارس نشاطا فيما يلي تكوين السرايا أو التشكيلات العسكرية أو ذات طابع عسكري - تهديد الوحدة الوطنية أو مخالفة النظام العام أو الآداب أو الدعوة الى التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو اللون أو الدين أو العقيدة - أي نشاط سياسي تقتصر ممارسته على الأحزاب السياسية وفقا لقانون الأحزاب وأي نشاط نقابي تقتصر ممارسته على النقابات وفقا لقانون النقابات استهداف تحقيق ربح … ". فهذه المادة تضرب بالدستور عرض الحائط، فهى لا تضيف حظرا جديدا فقط بل حظر له اكثر من تفسير، فهو بند مطاط وغير محدد " فقرة 3 " فأى نشاط اجتماعي لا يمكن وصفه بالسياسي وأي حق نص علية الدستور هو حق سياسي وكذلك الدفاع عن أى قطاع مهني هو نشاط نقابي من وجهة نظر المشرع. ولكي نفهم الصورة جيدا سوف نقتبس هذا الجزء من الحكم بعدم دستورية القانون 153 لسنة 1999، "وحيث من المقرر أن حق المواطنين فى تكوين الجمعيات الأهلية هو فرع من حرية الاجتماع وأن هذا الحق يتعين أن يتضمن تصرفا إداريا حرا لا تتدخل فيه الجهة الإدارية ويستقل عنها. ومن ثم تنحل هذه الحرية الى قاعدة أولية تمنحها بعض الدول من بينها جمهورية مصر العربية - قيمة دستورية فى ذاتها لتكفل لكل ذي شأن حق الانضمام الى الجمعية التى يرى إنها اقدر على التعبير عن مصالحة وأهدافه. وفى انتقاء واحدة أو اكثر من هذه الجمعيات، حال تعددها ليكون عضوا فيها، وما هذا الحق إلا جزء لا يتجزأ من حريته الشخصية التى أعلى الدستور قدرها فاعتبرها بنص المادة "41 " من الحقوق الطبيعية وكفل أسوة بالدساتير المتقدمة صونها وعدم المساس بها ولم يجيز الإخلال بها من خلال تنظيمها ". هذه الفقرة من حكم المحكمة الدستورية تعد ابلغ دليل على تعمد الحكومة عند وضعها للقانون إهدار حق تكوين الجمعيات أساسا. وفى فقرة أخرى يشير الحكم المذكور إلي أن " وحدة الحقوق الدستورية مجتمعة " وقياسا علي ذلك فإن هنالك اكثر من 14 مخالفة دستورية بهذا القانون سنؤكد هنا على أهمها وهى : "مادة 4" وهى تخطر بلا أى مبرر أن ينص النظام الأساسي للجمعية على أن تؤول أموالها عند انقضائها إلا لصندوق إعانة الجمعيات أو المؤسسات أو الى إحدى الجمعيات أو المؤسسات الأهلية أو الاتحادات الخاضعة لهذا القانون. ولكى نوضح تلك المادة نأخذ مثالا بسيطا : وهو أن يوقف شخص ما مالا لإحدى الجمعيات فعند حلها لا يحق للجمعية أن تنص على أيلولة ما بها لورثة هذا الشخص مثلا . "مادة 6 " وتعطى الجهة الإدارية حق رفض طلب القيد. وهو بالضبط التدخل الإدارى الذي أكد الحكم السابق على عدم مشروعيته. فمعظم القوانين التى تنظم العمل الأهلي في الكثير من الدول تؤكد على تشكيل الجمعيات بمجرد إخطار جهة الإدارة بذلك "مجرد إخطار" ولكن الدولة المصرية ترتد بالعمل الأهلي عشرات الأعوام للوراء. "مادة 16 " وهى التى توجب موافقة جهة الإدارة على الانضمام الى ناد أو جمعية أو هيئة أو منظمة مقرها خارج جمهورية مصر العربية. ومن المستقر أن الهيئات والاتحادات الدولية معروفة تماما للجميع وللدولة وان العمل الأهلي في العالم يتم من خلال تنسيق الجهود بين المؤسسات الصغيرة والهيئات والمؤسسات الدولية، وهى شبكات معترف بها عالميا بل وتراقب عمل الأمم المتحدة وتخاطبها، واعطاء الدولة لنفسها حق قبول أو رفض الانضمام لشبكات دولية يؤكد سعيها للهيمنة علي مؤسسات المجتمع المدنى. "مادة 34 " وهى تعطى لجهة الإدارة الحق في الاعتراض على المرشحين لمجلس الإدارة، والغريب هنا أن هذا السبب بالتحديد كان وراء الطعن بعدم دستورية القانون 153 الذى حكم بعدم دستوريته. "مادة 42" وتنص على أن " يكون حل الجمعية بقرار مسبب من وزير الشئون الاجتماعية بعد اخذ رأى الاتحادات العامة وبعد دعوة الجمعية لسماع أقوالها فى الأحوال الآتية .." وعددت المادة 6 أسباب. وليس الهام هنا مناقشة هذه الأسباب فهذه المادة تنتزع حقا أصيلا للسلطة القضائية فاعتبار أن " منظمات المجتمع المدني وعلى ما جرى علية قضاء هذه المحكمة هو رابطة العقد بين الفرد والدولة … (من حكم المحكمة الدستورية)". فالمحكمة الدستورية تؤكد فى حكمها على الرابطة العقدية بين المنظمات الأهلية والدولة، ووفقا لمبدأ أن العقد لا يفسخ إلا اتفاقا أو قضاءا، فليس من حق جهة الإدارة أن تنزع هذا الحق من السلطة القضائية، وهى مخالفة دستورية جسيمة وتثير الشكوك حول نية الدولة من المؤسسات والجمعيات الأهلية. إن المخالفات والتناقضات الدستورية التى يحفل بها القانون 84 لسنة 2002 تضعنا أمام ما يمكن أن نطلق عليه" الاستبداد القانونى" فقد فصلت الدولة القانون كي تقنن سياسة تكميم الأفواه وتضع ناشطى حقوق الإنسان أمام اختيار حقيقي للاستمرار وسط أجواء اكثر صعوبة، بل أمام بوابات السجون وتدفع بالعمل الأهلى لمزيد من المتاهات. |
3أ شارع محمد حجاج من شارع محمود بسيوني - ميدان عبدالمنعم رياض - الدور الثالث شقة 17 .تليفون : 5744428 / 5781003 فاكس : 5744428 بريد الكتروني : egypt@echr.org تصميم : جمال عيد |