English عن المركز بيانات صحفية حالات ساخنة الدعم القانوني ورش عمل إصدارات مواقع بريد
الصفحة الرئيسية

قانون الإيجارات السكنية الجديد

عودة للمحتويات
لم يكن كلا من القانونين 4/96، 6/97 سوي "أول الغيث الذى لم يلبث أن انهمر" فقد آثرت الدولة البدء بهما لاعتبارات تكتيكية بحتة، تتلخص فى تفتيت القواعد الاجتماعية المتضررة حتى يسهل احتوائها والاستفادة من الخطاب التبريرى الجاهز سلفا والمتمثل فى الدفع بشطر من العقارات المغلقة لسوق الإيجارات وبالتالي حل أزمة الإسكان -فيما يتعلق بالقانون 4/96- من ناحية أخرى كانت هنالك الخصوصية النسبية للقانون 6/97 والذى تعرض للعقارات المستغلة اقتصاديا مما كان يطرح إمكانية لتعويض الزيادة فى قيمة الإيجارات عبر إعادة حساب تكلفة المنتج النهائي
فى سياق تصفية ما تبقي من إرث رأسمالية الدولة البيروقراطية واستكمال تحرير علاقات الإنتاج والملكية ظهرت العديد من التشريعات والقوانين بدءا من قانون الانفتاح 43/1974، مرورا بقوانين حفز الاستثمارات ودعم الصادرات وانتهاءا بمشروع قانون العمل الموحد.
على قاعدة الاعتبارات ذاتها لحقت العديد من التغيرات بالقوانين المنظمة للعلاقات الايجارية، والتي كانت تستلهم نفس التوجه الساعي لتحرير علاقات الإنتاج وتعظيم العائد المتحقق من الملكية الخاصة.
تبدي ذلك على سبيل المثال فى القانون رقم 96/1992 أو ما عرف بقانون المالك المستأجر، والذى أدي لتحرير حوالي 1.49 مليون فدان أو ما يقارب 16% من جملة الأراضى الزراعية. الوضعية ذاتها تتكرر وإن على نحو أكثر تدرجية فى قطاع الإسكان.
فعلى الرغم من الحساسية النسبية التي تتصف بها "مسألة السكن" باعتبارها تمس قرابة 2.9 مليون أسرة يمثلون إجمالى المستأجرين إلا أن التشريعات والقوانين التي صدرت على مدار الفترة الماضية وعلى الأخص منذ صدور القانون رقم (4) لعام 1996 تشير بجلاء لاتجاه الدولة لتحرير العلاقات الايجارية من كافة القيود والمراسيم الاستثنائية والعودة بها لنطاق القانون المدنى، أو بصيغة أخرى إخضاعها لمعاملات العرض والطلب.

العلاقات الايجارية واعتبارات الاستقرار السياسي:

تتجسد الشريعة العامة للعلاقات الايجارية فى القانون المصرى فى مواد القانون المدنى -المواد من 558م : 609م الخاصة بإيجار الأماكن-الذى ينظم العلاقة الايجارية على أساس "حرية العلاقة"، إلا أن المشرع المصرى اضطر لإيقاف العمل بتلك المواد منذ عام 1921 وحتى صدور القانون 136 لعام 1981.
على مدار هذه الفترة هيمنت الظروف السياسية على اعتبارات التشريع، ففى ظل اضطرابات الحربين العالميتين كانت الأولوية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي وخطب ود الشرائح والفئات المدينية الوسيطة التي كانت تشكل عماد الحركة الوطنية المتصاعدة. الوضعية ذاتها سادت بعد نجاح نظام الضباط الأحرار فى الاستيلاء على السلطة ففى سياق مغازلته للشرائح ذاتها سارع النظام بإصدار قرارات بتشريعات لخفض تكلفة القيمة الايجارية.
لاحقا وفى سياق تصفية الميراث الشعبوى لنظام 52 حاولت الحكومات المتعاقبة صياغة قوانين جديدة توازن ما بين مصالح كل من الملاك والمستأجرين وهو ما تبدي فى القانون رقم 49 لعام 1977 وتعديلاته فى القانون رقم 136 لعام 1981.
حيث أطلقت هذه التشريعات يد المالك فى تحديد الأجرة (م1: بما لا يزيد عن 7% من قيمة الأرض والمباني) كما أعطت المالك حق تقاضي مقدم إيجار يصل إلي سنتين (م6) وحق تمليك 1/3 العقار (م13)، كذلك أقر القانون زيادة فى القيم الايجارية القديمة تراوحت ما بين 30% للأماكن المنشأة قبل 1 يناير 1944 إلي 5% للأماكن المنشأة من 7 أكتوبر وحتى 9 سبتمبر 1977.
ظل العمل بهذه القوانين ساريا حتى صدور القانون رقم 4 لعام 1996 وتحديدا قانون العلاقة بين المالك والمستأجر والذى يعد "ثورة" فى تشريعات الإيجارات، حيث أعاد إخضاع العلاقة الايجارية للقانون المدنى أو بمعني أكثر دقة لاعتبارات العرض والطلب مستندا لمفهوم "حرية العلاقة".
فى هذه الآونة أيضا كان لاعتبارات الموائمة السياسية دور فى قصر فعالية القانون على قطاع محدد من المساكن المؤجرة "م1: عدم سريان القانون 49 لعام 1977،136 لعام 1981 على الأماكن التي لم يسبق تأجيرها، والأماكن التي انتهت عقود إيجارها قبل العمل بهذا القانون، أو تنتهى بعده لأي سبب من الأسباب).
ورغم ذلك فقد بدا واضحا أن ذلك القانون مجرد خطوة أولي باتجاه تحرير العلاقة الايجارية بالكامل والعودة بها للقانون المدنى، وهو الأمر الذى تحقق جزئيا بصدور القانون رقم 6 لعام 1997 الصادر بشأن إيجار الأماكن الغير سكنية والمحال التجارية، ثم بظهور مشروع قانون زيادة إيجارات المساكن القديمة.

مشروع قانون الإيجارات السكنية بين الاتساق القانوني والتوازن الاجتماعي:

لم يكن كلا من القانونين 4/96، 6/97 سوي "أول الغيث الذى لم يلبث أن انهمر" فقد آثرت الدولة البدء بهما لاعتبارات تكتيكية بحتة، تتلخص فى تفتيت القواعد الاجتماعية المتضررة حتى يسهل احتوائها والاستفادة من الخطاب التبريرى الجاهز سلفا والمتمثل فى الدفع بشطر من العقارات المغلقة لسوق الإيجارات وبالتالي حل أزمة الإسكان -فيما يتعلق بالقانون 4/96- من ناحية أخرى كانت هنالك الخصوصية النسبية للقانون 6/97 والذى تعرض للعقارات المستغلة اقتصاديا مما كان يطرح إمكانية لتعويض الزيادة فى قيمة الإيجارات عبر إعادة حساب تكلفة المنتج النهائي- تبلورت أبعاد هذه المناورة التكتيكية مع شروع الدولة فى طرح إشكالية الإيجارات السكنية القديمة والذى تجسد فعليا فى المشروع بقانون الذى تقدم به المهندس محمد محمود حسن -رئيس لجنة الإسكان بالحزب الوطني، المشروع فى الصورة المقترحة يتكون من 30 مادة
تكاد تكون منسوخة من القانون رقم 6 لعام 1997. وهو يجسد مأزق المشرع وخرافة التوازن القانوني، فالجوهر الأساسي للقانون الجديد يمكن اختزاله فى المواد التالية:
المادة 14: وتنص على زيادة إيجارات الوحدات السكنية المنشأة قبل أول يناير 1944 بواقع 10 أمثال القيمة الايجارية، وزيادة الوحدات المنشأة من أول يناير 1944 وقبل الخامس من نوفمبر 1961 بواقع 8 أمثال القيمة الايجارية، والوحدات المنشأة من الخامس من نوفمبر 1961 وحتى التاسع من سبتمبر 1977 بواقع 4 أمثال القيمة الايجارية، والوحدات المنشأة من التاسع من سبتمبر وحتى نفاذ القانون 4 لعام 1996 بواقع 3 أمثال القيمة الايجارية، على أن يتم زيادة الأجرة الشهرية للوحدات السكنية بعد خمس سنوات من تطبيق تلك الزيادة بنسبة 10% تجدد كل خمس سنوات.
المادة 15: وتنص على ألا يتعدى ما يدفعه المستأجر من الإيجار ومصروفات الحراسة والصيانة والترميم 25% من دخل الأسرة على أن تقوم "الجهة الإدارية" بدعم الفرق مما لا يتجاوز مائتي جنيه شهريا تتناقص تدريجيا مع زيادة دخل الأسرة، على.
وفى هذا السياق وطبقا للائحة التنفيذية يجب أن يتقدم المستأجر الذى يستحق الدعم بإقرار يتضمن دخله كل سنتين موثقا من الشهر العقاري بصحة التوقيع والنفاذ.
المادة 28: وتنص على أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن عشر سنوات وبغرامة مالية تعادل قيمة الدعم المواطن الذى يقدم إقرارا مخالفا لقيمة دخل الأسرة، كما يسقط حقه فى الدعم.
بعيدا عن اعتبارات العدالة الشكلية والتوازن المنشود بين الملاك والمستأجرين أعلن مشروع القانون صراحة ودونما مواربة انحيازه المطلق لصالح الملاك، أو بالأحرى لصالح سياسات التحرير الاقتصادى التى تعكس من جانبها إشكالية الرأسمالية المصرية بشقيها الخاص والحكومى.
فرغم افتقاد الموضوعية فى تصنيف الوحدات السكنية، والصعوبات الفنية العديدة التي يثيرها مشروع القانون الجديد فى حالة إقراره -من قبيل تحديد تاريخ إقامة المبني أو تحديد المقصود بالدخل، وهل هو الأجر أو المرتب فقط أم يشمل أية دخول أخري ثابتة أو متغيرة، أو قدرة الخزانة العامة للدولة على تحمل الدعم المنصوص عليه فى المادة رقم 15 بعيدا عن كل ذلك يتم تسويق المشروع باعتباره ردا لظلم وتحقيقا للعدالة دونما مراعاة لظروف المستأجرين وأوضاعهم الاجتماعية.
فغالبية المستأجرين تنتمي للفئات الوسيطة والدنيا محدودة الدخل مما يشير لاختفاء الدوافع الحقيقية لمثل تلك التشريعات.
فالركود الاقتصادي الذى تفاقم من جراء سياسات الإصلاح المالي وإعادة الهيكلة وتزايد عجز الموازنة العامة يمليان على الدولة رسملة وتسييل رؤوس الأموال المستبعدة من التداول الاقتصادي، فضخ شطر منها فى السوق يمكن أن يؤدى لانتعاش الدورة الاقتصادية ويسهم بالتالي فى تجاوز حالة الركود المتفاقمة، وهو ما أكدته صراحة دراسة البنك الدولي صدرت فى عام 1997 بعنوان"Dead Capital and the Poor in Egypt" أو "رأس المال الميت والفقر فى مصر" قدرت الأراضى والمباني التي لا يمكن حصرها قانونيا ورسميا، سواء لوقوعها فى مناطق عشوائية أو لعدم تسجيلها رسميا مما يؤثر على تقييمها وإمكانية تبادلها تجاريا بحوالي 240 مليار دولار أمريكي مؤكدة على أن المشكلة الرئيسية التي تترتب على هذه الوضعية هي عدم إمكانية استغلال هذه الأملاك من قبل أصحابها كضمانات لعمليات تجارية أو قروض أو استثمارات اقتصادية للدولة.
فى هذا الإطار يمكن تفهم لهفة الدولة وإصرارها على مراجعة تشريعات الإسكان، كما يمكن تفهم ظاهرة الأصوات المتصاعدة المطالبة بتسجيل الثروة العقارية، ويوما بعد يوم تبدو الثروة العقارية بمثابة طوف نوح للدولة ورأسماليتها الهشة لتجاوز الأزمة الراهنة.
3أ شارع محمد حجاج من شارع محمود بسيوني - ميدان عبدالمنعم رياض - الدور الثالث شقة 17 .
تليفون : 5744428 / 5781003 فاكس : 5744428          بريد الكتروني : egypt@echr.org
تصميم : جمال عيد