English عن المركز بيانات صحفية حالات ساخنة الدعم القانوني ورش عمل إصدارات مواقع بريد
الصفحة الرئيسية

مناطق في دائرة النسيان: عزبة النخل

عودة للمحتويات
مع بداية الثمانينات بدأ الزحف العمراني السكاني بشراء قطع من الأراضي في تلك المنطقة وبناء نمط من البيوت المختلفة يأتى وسطا بين النموذج المدني والنموذج الريفي القائم على الاستغلال الكامل للمساحة في تسكين الجيل الثاني من العائلة حيث يشغل الأب الدور الأرضي والذي عادة ما يحتوى على محل بينما يتولى الأبناء البناء تباعا على الدور الأرضي
عشوائية لقيطة تبحث عن أب شرعي
عزبة النخل أو كما يصطلح سكانها الذين يتبادلون مرارتهم اليومية " عزبة النمل " هي نموذج مثالى لتحالف التخبط الإداري الحكومي من جهة وبقايا التقسيم الإقطاعي الزراعي التاريخي من جهة أخرى لتصبح النتيجة في نهايتها منطقة عشوائية على الطراز التسعيني من القرن الماضى.
فمع الإزاحة المتعمدة وبشكل واع من الدولة لأي وعى تنموي، يتطور هذا النموذج ليقدم لنا أمثولة للإهمال القصدي لقطاع من السكان ومنطقة جغرافية لا تبعد إلا أمتار عن أهم إنجازات الدولة خلال العقد المنصرم ممثلا فى مترو الأنفاق التى تقدمه الدولة كنموذج لحل المشكلة الأزلية لعاصمة تتضخم بإضطراد نحو الخارج بينما داخلها ذاته جغرافيا (عزبة النخل) لا يزال يرزح تحت نمط حضاري سكاني ينتمي لقرنين ماضيين على الأقل.

الجغرافيا كمدخل أساسي:

عزبة النخل هي تلك المساحة شبه المستطيلة في أبعادها طولياً ومحورياً مع مترو الأنفاق من شارع عرب الطوايله جنوبا حتى شارع الشيخ منصور شمالا يصل طول محورها نحو 2 كم2 أما محورها العرضي والذي يمتد من شارع عين شمس شرقا حتى حدود منطقة الخصوص غربا في محور فيبلغ عرضة نحو 1.5 كم2 وبميل المحورين في اتجاه الشمال الشرقي والجنوب الغربي.
أدت تلك الأبعاد إلى وقوعها إداريا " بين أحياء المطرية (جنوب غرب)، عين شمس (شرقا)، المرج شمالا وشمال شرق، الخصوص غربا وشمال غرب، فظهرت بذلك كنتوء إداري تتوزع حدوده الإدارية وتتقاطع مع الحدود النهائية لتلك الأقسام بل وتقتطع منها تلك الأقسام بعض أجزائها كحدود قصوى وفقا للنظريات الإقليمية .
أما فيما يتعلق بالظواهر الحضارية والمؤسسات المدنية " أقسام الشرطة، مستشفى، نادى رياضي، اجتماعي، نقاط إطفاء، فإنها تختفي تدريجيا بالابتعاد عن المركز الإقليمي حتى تصل إلى اقلها وخصوصا على الأطراف من المركز الإقليمي (عزبة النمل في حالتنا ) لتصبح تلك المنطقة " ساقط قيد " بين المراكز والأقسام الإدارية حيث لا تتمتع تلك المنطقة بوجود نقطة شرطة أو مستشفى عام أو نقطة إطفاء أو ناد اجتماعي رياضي ( لا يوجد سوى مركز شباب عزبة النخل وهو اقرب للملعب الخماسي ولا يستوعب 1/10 من حجم الشباب المتواجدين بالمنطقة ) وهذا النقص الحاد في الخدمات الحضرية يعد سببا مباشرا في ارتفاع معدل الحوادث بشكل عام (اعتداءات - قتل -اغتصاب - حرائق ) حيث يتطلب الوصول إلى اقرب مستشفى وهو مستشفى المطرية نحو 25 دقيقة بالسيارة في حالات عدم ازدحام الطريق.
يعانى هذا النتوء الإداري المسمى بعزبة النخل أيضا من تقاطع أخر للجغرافيا الإدارية المتخبطة فهناك مشكلة الشارع " اللقيط " كما يسميه سكانه، وهو شارع الترعة الطولي الذي لا يزيد اتساعه في أقصى حدوده عن 10 أمتار، فالشارع المذكور يقع أحد جانبيه داخل حدود قسم الخانكة التابع لمحافظة القليوبية بينما يتبع الجانب الآخر لقسم المطرية والمرج التابعيين لمحافظة القاهرة وكلا القسمين لا تمتد حدود خدماتهم الإدارية أو الخدمية أو الأمنية الى ذلك الشارع مما أدى لتحوله إلى شارع بلا أب أو أم يهمله الجميع، وهذا الشارع ليس شارعا فرعيا فهو على العكس يمثل محورا طوليا بامتداد شارع الكنيسة الفرنساوى من شمال حتى جنوب العزبة فإذا عرفنا أن قسم المطرية أمنيا يبعد عنه تحويلات محطات مترو الأنفاق وقسم الخانكة يبعد عنه نحو 20 كم2 على الأقل لأدركنا حجم المفارقة والتخبط الحكومي في التعامل مع تلك المنطقة .

التاريخ كمدخل مبدئي :

تنتمي منطقة عزبة النخل تاريخيا لذلك النمط الريفي من الامتددات الإقطاعية التى شهدتها منطقة شرق القاهرة ( المطرية -عين شمس -عزبة النخل ) حيث كانت المنطقة ملكية زراعية للعائلة الملكية وأمراءها خلال فترة الأربعينيات ومع التطور من المركز الى الأطراف شهدت منطقة المطرية مع بداية الخمسينيات تبلور تنمية صناعية بافتتاح مصانع للغزل والنسيج "تريكونا " ومصانع دوائية " شركة مصر للمستحضرات الطبية " وشركة "الكابلات المصرية". وخلال العهد الناصري نمت منطقة المطرية وعين شمس المجاورة جغرافيا ً أيضا لمنطقة مصر الجديدة مهد برجوازية شرق القاهرة، بينما ظل الطابع الريفي (الزراعي) هو المسيطر على ما تلاها شمالا -عزبة النخل والمرج- ويتذكر سكان المنطقة الأوائل والذين كانوا يعملون فلاحين يعملون بالأجر داخل أبعاديات عزبة النخل، انهم من علي أسطح بيوتهم الفقيرة، علي بعد ا كم، كانوا يستطيعون رؤية محطة مطار كوبري الليمون والتي كانت عزبة النخل بالنسبة لمستخدميه مجرد محطة لبيع البلح.
مع بداية الثمانينات بدأ الزحف العمراني السكاني بشراء قطع من الأراضي في تلك المنطقة وبناء نمط من البيوت المختلفة يأتى وسطا بين النموذج المدني والنموذج الريفي القائم على الاستغلال الكامل للمساحة في تسكين الجيل الثاني من العائلة حيث يشغل الأب الدور الأرضي والذي عادة ما يحتوى على محل بينما يتولى الأبناء البناء تباعا على الدور الأرضي. في هذا السياق من الهام الإشارة إلى تقسيم حضاري هام آخر كانت تحتويه العزبة، وهى منطقة المحطة بشوارعها الرئيسية المتعامدة على سورها حتى ترعة التوفيقية وهى منطقة كان تقسيمها المعماري قائم على فيلات أو بيوت بسيطة تحيطها مساحات من الخضرة ومسورة، وتخترقها الشوارع المسفلتة وهى تابعة إداريا لقسم المطرية، أما الترعة التوفيقية فهي ترعة عرضية (من الشرق للغرب ) تمتد من منطقة بركة الحاج والمهاجرين الزراعية والمجاورة لمنطقة عين شمس حتى تصل فى أقصى الشرق لترعة الإسماعيلية وكانت تخدم المناطق الزراعية وتحولت الى مصرف صحي ضخم للمنطقة بأجملها. أما المنطقة الواقعة في الضفة الشمالية لترعة التوفيقية فهي مقسمة الى ثلاث مناطق، مدينة الزهور وعزبة الثوار ومنطقة الزرايب في محور شرقى غربى توازى ضفته الجنوبية ترعة التوفيقية وهذه الضفة هي التى تعانى فعليا من نمذجة العشوائيات أو ما يمكن أن يسمى عشوائية نموذجية ويتضح ذلك من خلال ملامح عدة :-

1. افتقاد المنطقة لأية خدمات في مجال الصرف الصحي، فالنمط السائد هناك هو الصرف الأهلي ( الطرنشات ) التى تصب في شبكة متداخلة تبعا لميل انحدار الأرض حتى تصل الى ترعة التوفيقية التى تحولت الى مصرف التوفيقية ونتيجة لارتفاع الضغط السكاني في تلك المناطق الثلاث التى يصل عدد سكانها لحوالي 500 ألف نسمة في مساحة 2 كم يتكرر طفح تلك الطرنشات وهو ما دفع السكان للقيام بأعمال تصليح وردم للشوارع حتى اختفت الأدوار الأرضية في بعض الشوارع الأخرى.
وقد أضحى التسابق نحو ردم الأدوار الأولى ظاهرة أساسية في هذه المنطقة فضلا عن اضطرار معظم سكان الدور الأرضي لهجر شققهم خلال فترة الصيف نتيجة لتزايد معدلات الطفح، ومع قيام السكان بمبادرات لردم أجزاء من المصرف السالف ذكره ( الترعة التوفيقية) ارتفع معدل ارتداد الصرف بشكل كمي داخل المنازل لتصبح الشوارع بحيرات مفتوحة من مياه الصرف.
2. عدم تمتع المناطق الثلاث بشبكة مياه حكومية، فقد ظلت تلك المناطق حتى وقت قريب تستهلك مياه الطلمبات المزودة بمواتير بل لازالت نسبة كبيرة منها تستخدم بشكل مختلط المياه الجوفية والمياه الحكومية التى قاموا بمدها لمنازلهم على نفقتهم.
وتعانى هذه المناطق من ضعف ضغط المياه فيتم استهلاك المياه النظيفة لساعات فيما يتم اللجؤ خلال باقى اليوم للمياه الجوفية التى تختلط بطبعها مع خطوط الصرف الصحي الأهلية المعقدة في الطبقات المردومة مما يفسر ارتفاع نسبة أمراض الكلى في المنطقة .
وتعانى التوصيلات الأهلية للمياه هي الأخرى من مشكلات ضخمة فلكونها أهلية بعيدة عن الخطوط الحكومية تعانى من الانقطاع لفترات طويلة، ومع سيولة التربة وتآكلها المستمر بفعل عملية الطفح والردم اليومية تعانى المواسير من التآكل واختلاط تلك الخطوط نفسها بالتربة الملوثة.
3. المناطق الثلاث تعانى أيضا من عدم وجود شوارع مسفلتة على الرغم من اتساع بعضها. وكذلك عدم تواجد إنارة حكومية مما يجعلها غير آمنة ومع سيادة أنماط البناء العشوائية القائمة علي الاستغلال الأفقي المسطح والتوسع الأفقي بأقصى حدوده، نلاحظ ارتفاع المباني بشكل رأسي لا يتناسب مع المساحة الأفقية.
تعانى تلك المنطقة كذلك من ضيق شوارعها الشديد بالمقارنة بارتفاع مسطحاتها مما يؤدى الى عدم تعرض الوحدات السكنية للهواء والشمس بشكل كاف وصحي ومع أزمة الطفح والردم المستمر تعانى التربة من خلخلة جوفية مستمرة تهدد كل الأبراج السكنية بتحلل أساساتها ومن ثم انهيارها على المدى الزمني الطويل.

الديموغرافيا ولماذا تغيب الدولة :

ترجع حركة الزحف السكاني في عزبة النخل الى بداية الثمانينيات وقد شكلت النقلة المفاجئة بدخول مترو الأنفاق في مرحلته الأولى السبب الرئيسي وراء تسارع عملية الزحف السكاني وقد استقبلت القرية هجرة وإزاحة من أحياء الزاوية والوايلي والمطرية كتطور طبيعي للحراك الاجتماعي إلي الأسفل الذي دفع بأبناء الجيل الثاني من تلك الأحياء للخروج نحو الشمال حيث السكن الأرخص مقارنة بالأحياء التى توقف توسعها الأفقي عند حدود سكانها، بيد أن الأمر لم يتوقف عند الزحف السكاني القاهرة بل تجاوزه لاستقبال وفود عائلات من أسيوط وقرى القليوبية التى حاول أهلها البحث عن دمج أسرع بقلب المدنية المركزية.
وتتشكل غالبية السكان من عائلات تزوج معظمها في الثمانينيات، حيث تمثل شريحة الثلاثينيات الغالبية العظمى من التركيبة السكانية، بينما يمثل الأطفال بشرائحهم المختلفة، من ثلاث سنوات حتى سن المراهقة، العمود الفقري النامي للمنطقة ومن ثم تقع المنطقة في أواسط الهرم السكاني النامي وهى بذلك تشكل بؤرة للتفجر الاجتماعي الناتج عن اختلاف النسق القيمى تبعا لاختلاف محل الهجرة، فهناك صراع دائم بين قيم المجتمع الريفي بشقية الصعيدي والبحري، وقيم المدينة بأحيائها القديمة، إلا أن ما يفاقم من حدة هذا الصدام هو غياب التنظيم الجماعي وحس الانتماء للمنطقة، فلا زال معظم القادمين الجدد مرتبطون بمناطق بزوغهم الأصلية ويعانون من اغتراب وصدام كامل مع الخلطة البشرية الجديدة، كذلك انعدام كافة أشكال المشاركة السياسية حيث لا توجد مقرات لأي حزب، فالمنطقة منقطعة الأوصال، إداريا، مخلخلة سياسيا، فجميع أبناؤها مقيدين في مناطقهم الأصلية ووسط هذا النصف مليون لا يوجد إلا نحو مائة بطاقة انتخابية مما أدي إلى فقدانها للأهمية النسبية التى تطرا بشكل موسمى في حالة الانتخابات. فالخصوصية التصويتية لها والتي تمنح مناطق أخرى بعض المكاسب مفقودة فهى كما يقول البعض منطقة منسية تحت رحمة الحزب الوطني والمزايدات الحزبية. هذا الفراغ السياسي والهرم السكاني الحديث والتخلخل القيمى يفقد المنطقة بأكملها حس المشاركة الجماعية على الرغم من معاناة الجميع بالتساوي من نفس المشكلات.

بيئة عشوائية ملوثة :

لا تقف حدود الأزمة عند مستوى المشاكل العشوائية نتيجة لسوء التخطيط وغياب دور الدولة بل يتجاوز ذلك بالأخطار البيئية الصحية، ففي المنطقة الواقعة أقصى غرب المنطقة الثالثة (عزبة النوار) توجد منطقة الزرايب وهى منطقة تجميع المهملات، تسيطر عليها عائلات ذات سطوة وسيادة وتفوق مالى لم يسمح للدولة بإزالتها. هذه المنطقة ليست فقط منطقة للتجميع ولكنها منطقة للفرز واعادة التدوير (Recycling) للمواد الأولية مثل البلاستيك حيث تتواجد ورش لتصنيع الشنط البلاستيكية بدون توافر شروط الامن الصناعي والحماية البيئية الكافية ومع نهاية كل يوم يعانى سكان عزبة النخل من الحرائق الضخمة التى يشعلها أصحاب تلك المنطقة في بقايا المهملات التى لا فائدة منها حيث تغطى سحابة سوداء يمكن ملاحظتها فجرا حدود المنطقة جميعا فإذا وضعنا ذلك جنبا الى جنبا مع مشكلات المياه والصرف الصحي لاصبحنا أمام مأساة بيئية.
إن الصعوبات الناجمة عن عشوائية التخطيط الإداري للمناطق الحدودية بين المحافظات والأقسام تنتج ذلك النوع الفريد من العشوائيات الجديدة التى تفاجئنا بها الدولة على الرغم من تأكيدها طوال الوقت على قضائها علي العشوائيات نهائيا بالقاهرة، فما بالنا ونحن أمام نموذج لا يبعد إلا أمتار عن شريان ونموذج تباهى الدولة بخدماتها " مترو الأنفاق " ولا تبعد عن طريقها الدائري الجديد اكثر من 500 متر تقريبا ولعله من المضحك المبكى حقا أن تتوفر اعتمادات لردم وصرف الترعة الطوالى منذ عام 1998 على حد تعبير أحد المسؤولين بالحكم المحلى بينما لا يزال المصرف بعيدا عن ميزانيتهم التى ربما تبخرت أو ربما لا يزال مسئولو الدولة يحاولون العبور بها من الضفة اليمنى الى الضفة اليسرى لانه للأسف وبمجرد العبور تنتقل خلال أمتار إلي مستوى حضارى ينتمي إلي القرن الثامن عشر وسط سماء ورحمة الدولة.

ملاحظات :

1- ملاحق الدراسة تتضمن خرائط مستمدة من كتاب " مفتاح القاهرة " دار نشر كايرو سيتى. 2- هناك خطا إداري في التقسيم يضع المنطقة محل الدراسة وهى على الخريطة "18 " النقطة (ظ )، (ط) 14 عرضى في تبعية محافظة القليوبية إداريا على الرغم من توثيق ذلك الكتاب وفقا للخرائط الجوية لوزارة الإسكان والتعمير وهو يؤكد مدى التخبط الإداري على مستوى المعلومات.
3أ شارع محمد حجاج من شارع محمود بسيوني - ميدان عبدالمنعم رياض - الدور الثالث شقة 17 .
تليفون : 5744428 / 5781003 فاكس : 5744428          بريد الكتروني : egypt@echr.org
تصميم : جمال عيد