English عن المركز بيانات صحفية حالات ساخنة الدعم القانوني ورش عمل إصدارات مواقع بريد
الصفحة الرئيسية المركز المصري لحقوق السكن
العشوائيات والعنف الاجتماعي
الجزء الاول|| الجزء الثاني|| الجزءالثالث|| الجزء الرابع|| الجزء الخامس|| الجزء السادس
تعكس المفاهيم والتصورات السوسيولوجية السائدة قصورا هاما فيما يتعلق بتعاطيها مع ظاهرة العنف الاجتماعي، إذ غالبا ما تختزلها إلي إحدى تداعيات السيولة المجتمعية نتيجة للمرحلة الانتقالية التي تشهدها التشكيلة الاجتماعية المصرية، أو إلي تحلل منظومة القيم السائدة نتيجة لتأثير الثقافات الفرعية الوافدة (الثقافة النفطية)، فضلا عن ضعف وتحلل مؤسسات التربية الأولية (الأسرة-المدرسة-المؤسسة الدينية وغيرها). وعلي الرغم من الصحة الأولية لهذه التفسيرات إلا أنها تظل جزئية وثانوية في التحليل الأخير نتيجة لرؤيتها الخطية للتقدم الاجتماعي.
فالتطور وفقا لها يؤدي في النهاية لخلق بنية اجتماعية متكاملة ومنسجمة، والتشوهات التي تنجم عبر السياق التطوري لا تزيد عن كونها أحداثا عارضة أو انحرافات لا تلبث أن تستقيم مع الإطار العام مع استقرار البني المجتمعية والأنساق المجتمعية. والحقيقة أن التطور بالمعنيين الاقتصادي والاجتماعي عملية عضوية لها جانبها السلبي الذي يشكل الوجه الآخر للعملة وليس مجرد عرض زائل أو مؤقت، فالتنمية تنتج الهوامش، فلا يمكن علي سبيل المثال عزل العشوائيات أو مدن الصفيح التي تنتشر كالنطاق علي خاصرة المدن الكبرى وأحيانا في أعماقها عن التغيرات التي شهدها المجتمع المصري منذ ثلاثينيات القرن الماضي والتي أدت لنزوح أعداد هائلة من العاطلين وصغار المنتجين من الريف باتجاه المدن والعواصم الإقليمية بحثا عن العمل. وبقدر ما كانت تلك الجموع ناتجا عضويا لرسملة الريف بقدر ما كانت جيشا احتياطيا للعمل، مخزونا يتم السحب منه لتغطية الطلب علي اليد العاملة الرخيصة في القطاعات الاقتصادية الناشئة. ومع استمرار النمو الاقتصادي لفترات طويلة نسبيا يمكن أن يبدأ هؤلاء النازحون في التكيف والاندماج في المنظومة المجتمعية المدينية، إلا أن تعثر أو ركود الاقتصاد يعكس وجهة التطور، حيث تتزايد معدلات البطالة وتتكرس الفردية كمعادل لتفكك البني الأسرية وغيرها، ويزداد انخراط هذه الفئات في قطاعات الاقتصاد الأسود (المخدرات-الدعارة-التهريب وغيرها). من ناحية أخري يتفاقم الشعور باللامبالاة أو العداء تجاه الدولة وأجهزتها المختلفة، فنظرا للواقع المتمثل في ضآلة -وأحيانا عدم- استفادة هذه المناطق من الإنفاق العام للدولة، سواء علي مستوي البنية الأساسية، الخدمات، توطين الاستثمارات وغيرها، فضلا عن تعرضها في كثير من الأحيان للغارات الأمنية، بل وأحيانا الترحيل الجماعي مع أية محاولة من قبل الدولة لضبط النمو العمراني، يتزايد إحساس القاطنين بالعشوائيات بافتقاد الأمان وهو ما يؤدي بالتالي لتزايد الشعور بالعداء والاستهانة من قبل هذه الفئات تجاه كل من الدولة والمجتمع
. إن ذلك لا يعني بالطبع المسئولية الحصرية للمهمشين عن حوادث العنف المجتمعي، فهذه الظاهرة أضحت تضم غالبية، إن لم يكن كافة فئات وشرائح المجتمع المصري علي اختلاف انتماءاتهم الطبقية والمهنية، ولأسباب تجد جزءا هاما من تفسيراتها في الطابع المشوه والمركب للتطور الاقتصادي/الاجتماعي المصري، إلا أن هذه الفئات مسئولة إلي حد بعيد عن نمط نوعي من العنف الاجتماعي وهو ما يمكن أن نطلق عليه العنف الوظيفي أو الارتزاقي، بمعني أن يصبح العنف وسيلة للعنف أو التعيش، وهو العنف المصطلح علي تسميته اجتماعيا بالبلطجة -وفقا للإحصاءات الأولية المتوافرة شهد عام 1998 علي سبيل المثال 5000 حادث بلطجة، كانت المناطق العشوائية مسئولة عن 70% منها علي الأقل.
بالطبع لا تحصر المطابقة المتمثلة في التهميش/العنف الجميع دون استثناء، ولكنها تخلق الشروط الأولية لتفاقم الاستعداد الكامن للعنف مقارنة بأماكن/فئات أخري، كما أنها تزيد من حدته وانفلاته. وإذا كان ذلك منطقيا بدرجة ما نظرا للطابع الوظيفي أو الارتزاقي لهذا العنف، فإن المعامل الآخر الذي يكرس هذه السمات إنما يتمثل في الطابع الانتقامي لهذه الممارسات، فهذا النمط من العنف المجتمعي يعكس قدرا من الشعور بالغبن والقهر، شعور الهامش تجاه المدينة التي تخلقه وتنبذه في آن، ولذلك تسيطر عليه الرغبة في الانتقام والثأر، الأمر الذي يجعل العديد من ممارسات البلطجة أشبه ما تكون بالعقاب الجماعي بغض النظر عن دوافعها وأسبابها الأولية.
بالتوازي مع البلطجة تعد المناطق العشوائية بمثابة البيئة الحاضنة للعنف السياسي، فالعشوائيات بظروفها الاجتماعية والاقتصادية وطبيعتها الايكولوجية وتركيبها الديموغرافي تساعد علي انتشار السلوك السياسي العنيف، وهو الأمر الذي يجد تفسيره في تقاطع معاملات التهميش من حرمان اقتصادي وسلبية سياسية (تدني نسب المشاركة السياسية) في ظل الغياب الأمني للدولة مما يوفر الشروط الأولية لنمو وتوطن أيديولوجيات العنف، فتحليل الأصول الاجتماعية لأعضاء التنظيمات الجهادية -علي سبيل المثال- توضح بجلاء مسئولية هذه المناطق كبيئة حاضنة وداعمة للعنف السياسي. ففي خلال النصف الأول من التسعينيات كان حوالي 14% من أعضاء هذه الجماعات ينتمون لحي الساحل، 9.1% لحي الشرابية، 9.1% حي الوايلي، 7.3% حي المطرية، 31% امبابة، 24.2% حي بولاق، فيما كانت الجذور العائلية للغالبية العظمي منهم ترجع لقري العياط وناهيا وصفط اللبن وكرداسة، عزبة شكر، عزبة دولار، الخانكة، أبو زعبل وكفر شكر وهي قري تعاني بالأساس من التغيرات الاقتصادية وإشكاليات الانتقال إلي النمط الحضري.
الوضعية ذاتها تكررت خلال النصف الثاني من التسعينيات حيث تركزت عمليات العنف الديني في مدن وقري الصعيد وبالتحديد في ملوي وديروط وسمالوط وأبو قرقاص وغيرها، مما يشير بجلا إلي مسئولية التنمية المشوهة عن إفراز العنف، حيث تؤدي إشكاليات الانتقال والتناقضات التي تنجم عن ارتفاع مستويات التعليم مع تضاؤل فرص الحراك الاجتماعي لتزايد الشعور بالاغتراب والصدام مع قيم الحضر أو المدينة.
في إطار السياق السابق تتضح العلاقة الارتباطية ما بين كل من العشوائيات، أو بالأحرى التنمية الرأسمالية المشوهة والعنف بمستوييه الاجتماعي والسياسي وهي العلاقة المرشحة للتفاقم في ظل العديد من الاعتبارات والتي يمكن رصد أهمها في التالي:
أولا: الانسحاب المتسارع للدولة من المجالين الاقتصادي والاجتماعي، ففي إطار التحولات الهيكلية للدولة المصرية -برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي- وما يترتب عليها من نفي القاعدة الاقتصادية للدولة -خصخصة قطاع الأعمال العام- وتقليص الإنفاق الاجتماعي -الدعم السلعي، الإنفاق العام علي التعليم والصحة وغيرهما- ستتزايد حدة الأزمة الاجتماعية نتيجة لتضاؤل فرص التوظيف وتزايد الأعباء المعيشية، وهو ما يعني بصيغة أخري انسداد آفاق الحراك الاجتماعي وتضاعف عوائق الاستيعاب والدمج المجتمعيين، وهو ما سيفاقم بدوره من احتمالات الصدام ما بين الهامش والمركز، العشوائيات والمدينة، خاصة إذا ما راعينا تراجع الوجود الأمني للدولة في هذه المناطق بعد اختلال التوازن فيما بينها وبين الجماعات الجهادية وهو ما يعني تضاؤل قدرات الضبط الأمني للدولة علي مواجهة احتمالات العنف في المناطق العشوائية.
ثانيا: تغيرات البنية الاجتماعية للعشوائيات، فعلي العكس من البدايات التاريخية للهوامش لم تعد تلك المناطق مجرد معسكرات لتجميع النازحين من الأرياف (العاطلين-الفقراء-صغار الحرفيين) في سياق رسملة علاقات الإنتاج في الريف المصري، فبدءا من منتصف السبعينيات وكنتيجة للانفجار الحضري وتزايد المضاربات العقارية، بدأت تلك المناطق تشهد نمطا مغايرا من النزوح، حيث أخذت نسب متزايدة من سكان الحضر في الاستقرار في المناطق العشوائية مما أوجد خليطا غير متجانس اجتماعيا وثقافيا ساهم بشكل مباشر في تجسيد الصراع بين قيم المدينة/الريف فضلا عن دورها في خلق الشروط الأولية لتفجر العنف الديني وهي الوضعية التي تظل قائمة بغض النظر عن التوازن الحالي بين الدولة والتنظيمات الجهادية. ثالثا: اتجاه الدولة لضبط النمو العمراني، وهو ما يتضمن إعادة تخطيط المراكز الحضرية، خاصة العاصمة والمدن الكبرى بما يترتب عليه من ترحيل وإعادة توطين جماعية لأعداد هائلة من قاطني المناطق العشوائية مما يولد المزيد من مبررات ومحكات الصدام بين الطرفين، خاصة إذا ما راعينا ضخامة الاستثمارات التي تتطلبها عمليات التوطين الجماعية والعلاقة العضوية بين أنماط الارتزاق وأماكن السكن بالنسبة لشرائح عريضة من المهمشين، إضافة إلي الخبرات السابقة والتي توضح ارتكان الدولة للآليات الأمنية والإدارية لإخلاء المناطق العشوائية. تنبئ الأبعاد السابقة باحتمال تزايد معدلات الصدام والعنف المجتمعيين، وهو ما يثير بالتالي عددا من الأسئلة تشكل محل اهتمام حلقة النقاش الحالية والتي يمكن رصدها إجمالا في التالي: أولا: طبيعة السمات الثقافية والنفسية لقاطني العشوائيات، أو بصيغة أخري مدي صحة الحديث عن نفسية الهامش أو نفسية العشوائيات، محدداتها، أنساقها القيمية والجمالية، الأنماط السلوكية السائدة، الخصوصية النسبية للمكان وأشكال التعاضد الاجتماعي السائدة كمعادل للتهميش.
ثانيا: التغيرات التي لحقت بأنماط النزوح والتوطن في العشوائيات علي مدار العقود الثلاث الماضية، سواء من حيث اختلاف القاعدة الاجتماعية لقاطني الهوامش -هيمنة البرجوازية الصغيرة المدينية- ارتفاع المكون التعليمي لتيارات الهجرة وغيرها، وآثارها علي تباين أو تزاوج أشكال الاحتجاج الاجتماعي خاصة تلك المتعلقة بتزايد هيمنة الأيديولوجيات الجهادية ومعدلات العنف الديني داخل المناطق العشوائية.
ثالثا: حدود الاستيعاب والدمج المجتمعيين في ضوء التحولات الاقتصادية/الاجتماعية للواقع المصري، سواء فيما يتعلق بآثار انسحاب الدولة علي الأوضاع المعيشية لقاطني المناطق الهامشية أو بمخططات الدولة لإعادة التخطيط العمراني للمراكز الحضرية.
رابعا: دور الميكانزمات المعاكسة والتي يمكن رصد أهمها في أنماط التعاضد والتكافل الاجتماعي، التبرعات الأهلية، المؤسسات الإنمائية والزعامات المحلية في ملء الفراغ الناجم عن انسحاب الدولة وتخفيف حدة التوترات الاجتماعية الناجمة عن استمرار منظومة التهميش.
عصام فوزي:
مساء الخير، أهلا بكم في ندوة المركز المصري لحقوق السكن وموضوعها العشوائيات والعنف الاجتماعي، الحقيقة أن القضية موضوع حوار اليوم، قضية شديدة الخطورة نظرا لاتساعها أو اتساع ظاهرة العشوائيات نفسها واحتلالها مساحة واسعة من مجمل جغرافية مصر وتكونها الاجتماعي .. أو ظاهرة العنف الاجتماعي بتركزها أو تزايدها في هذه المساحة السكانية الاجتماعية ، الظاهرة بتداعياتها على مجمل المجتمع المصري وأشكال التفاعل الاجتماعي والنفسي تطرح العديد من الأسئلة. ربما قرأ حضراتكم الورقة الخلفية التي حاول الزميل باهر شوقي عبرها تقديم مقاربة أولية للموضوع، لا تغلق باب الحوار ولكن تشير لبعض جوانب الظاهرة وأسبابها التاريخية مع طرح عدد من الأمثلة تتعلق بالجوانب الأكثر أهمية للموضوع. الزميل باهر شوقي الباحث في المركز المصري لحقوق السكن يتفضل مشكوراً بتقديم عرض سريع لأهم ما ورد في الورقة الخلفية.
باهر شوقي: كما تفضل الزميل عصام فوزي بالتنويه فإن الغرض الأساسي من هذه الورقة، أو بالأحرى ما تسعي إليه هو إلقاء ضوء على الظاهرة في أبعادها المختلفة والتي يمكن حصرها في عدد من النقاط، بداية أن نمو العشوائيات كظاهرة تاريخية مرتبطة بشكل أساسي، وفقا للتصور الذي تتبناه الورقة، بنمط وعلاقات إنتاج بعينها في المجتمع المصري، غير منفصل كيفياً عن أنماط الإنتاج الرأسمالية السائدة في العالم ككل، وإن كان يحفل بتشوهات النمو الرأسمالي المتأخر والتي تتمثل علي أحد الأصعدة في التضخم المفرط لظاهرة العشوائيات . فنتيجة للالتحاق المتأخر بالرأسمالية تصبح قدرة هذه الاقتصادات، أو التجمعات المركزية (المدن والمراكز الإقليمية)على استيعاب ودمج الفئات المهمشة، وإمكانية الهياكل الإنتاجية المختلفة على استيعاب النازحين من الريف اضعف وأبطأ واكثر تضارباً. النقطة الثانية : أن اللحاق المتأخر أو الطابع المتخلف للهياكل الاقتصادية والإنتاجية في هذه المجتمعات يؤدي لحدوث انقطاعات في عملية النمو الاقتصادي وهو ما يؤدي بدوره إلى تضخم مفرط في ظاهرة العشوائيات وتداخل بنيوي لهذه التجمعات العشوائية مع المراكز الحضرية ذاتها.
النقطة الثالثة: أنه ليس من الصحيح وفقا للتصور الذي تطرحه الورقة أن يتم التعامل مع نمط النمو الرأسمالي باعتباره نمطا خطيا خاليا من الإنعطافات أو التأرجحات أو الانقطاعات، فالعكس هو الصحيح بالأساس. فالنمو الرأسمالي يخلق طوال الوقت تجمعات من المهمشين، أسواق أو معسكرات عمل جماعية، تستطيع عبرها وطوال الوقت أيضا الضغط على تكلفة العمل كأحد آليات الرأسمالية لزيادة معادلات الاستغلال للفئات النازحة.
النقطة الرابعة: أن النمو في الحقيقة ذو طابع مركب، بمعنى أن هناك بعض القطاعات، بعض المواقع التي تشهد تنمية متسارعة، إلا أن هذه التنمية المتسارعة غالبا ما تحدث على حساب مناطق وفئات أخري، وهو الأمر الذي يمكن رؤيته في تركز الموارد، معدلات تجديد أو توجيه الاستثمارات المختلفة على امتداد المجتمع المصري.

النقطة الخامسة: أن التخلف والضعف الهيكلي لنمط النمو الرأسمالي في هذه المجتمعات يؤدي لخلق موجات من النزوح أو التهجير الإجباري من الريف للمدينة، فنتيجة لانقطاع سبل المعيشة وإمكانيات الارتزاق تولد أو تخلق مدن الصفيح أو القصدير وغيرها، من ناحية أخري يتبلور ما يمكن أن نطلق عليه ظاهرة عداء متبادلة ما بين هذه التجمعات أو ما بين هؤلاء المهمشين وبين الدولة، ليس فقط الدولة كسياسات ولكن الدولة كأجهزة. حيث تكرس سياسات النبذ أو الاستبعاد التي تمارسها أجهزة الدولة بمؤسساتها وبثقافتها السائدة استمرارية هذه المجتمعات كجيتوهات، تكرس انعزالهم وانغلاقهم على ذواتهم، كما أنها في الوقت ذاته تخلق أنماطا ارتزاقية تدينها في الأغلب الأعم الثقافة السائدة، سواء داخل الاقتصاد الأسود أو داخل الاقتصاد غير الرسمي، الأمر الذي يؤبد وضعهم أو وجودهم طول الوقت على هامش المجتمع ويجعلهم محلا لانتقاد المجتمع ثقافيا وأمنيا وهو ما يكرس بالتالي إحساسهم بالابتعاد، بالتهميش، بالنبذ، ويعلي بالتالي من استعدادهم للتمرد أو الاحتجاج أو العنف تجاه هذه السياسات. فالدولة هي المسئولة عن تهميشهم والدولة هى أيضاً التي تدينهم وتكرس انعزالهم وهو ما يخلق العديد من الأنماط الاحتجاجية. النقطة السادسة: المسألة الأخرى التي تشير إليها الورقة، تتمثل في ضرورة الانتباه إلي أن آلية أو وتيرة خلق المجتمعات الهامشية لا تتسم بالاتساق بل بالأحرى بالتباين والتنافر. بمعنى أنه لا يصح أن نتكلم طوال الوقت عن نمط أحادى من الهجرة سواء في تكوينه الاجتماعي أو في اتجاهه، من الريف للمدينة، فمع انقطاعات وتأرجحات صيرورة التنمية داخل هذه المجتمعات تتواجد ظواهر مركبة أو متعددة، فمنذ أوائل السبعينات -علي سبيل المثال- تبلور نموذج مغاير من الهجرة أو النزوح، هجرة من المراكز الحضرية إلى الأطراف أو الهوامش، هوامش المدن، هذا النمط ارتبط بتوسع هذه المدن، بالتضخم في ظاهرة الحضرنة أو التحضر لكنه أيضا ارتبط -إلي حد بعيد- بتدني أو تدهور حاد في أوضاع فئات اجتماعية مختلفة عن البروليتاريا الرثة التي شكلت تقليدياً الرافد الأساسي للهجرة مع بدايات القرن الماضي.ومع اختلاف أنماط واتجاهات النزوح والتوطن اختلف التكوين الاجتماعي للعشوائيات، حيث تزايدت نسبة تمثيل البرجوازية الصغيرة داخل المناطق العشوائية. وهي فئات تتسم بارتفاع المكون التعليمي أو مستوياتها العلمية ، لكن تفتقر إلى حد كبير إلى مهارات العمل التقني وهو ما ينعكس عليها بالضرورة مع تزايد حدة الأزمة الاجتماعية الاقتصادية، في صورة تدهور أوضاعها المعيشية والاجتماعية . هذا الخليط أو هذا التداخل ما بين الفئات القاطنة في المناطق العشوائية أنتج أنماطا متباينة أو مختلفة من سلوكيات الاحتجاج الاجتماعي، فوفقاً أيضا للتصور الذي تطرحه الورقة الأولية فإن أنماط العنف الاجتماعي التي يمكن أن تنجم عن فئات النازحين من الريف، تأتى في الأغلب علي شكل هبات أو انتفاضات تلقائية، وليدة عنف مكبوت قاعدته إحساس متفاقم بالنبذ والتهميش، وهو التصور الذي تؤيده إلي حد بعيد العديد من الإحصائيات أو الدراسات الأولية -وهي بالطبع ما تزال دون المستوي سواء من حيث الكم أو الانضباط المنهجي- حيث تشير إلي تركز أنماط من العنف الارتزاقي أو المعيشي، مثال البلطجة في هذه المجتمعات، وفي هذا السياق من الهام إدراك الطابع المركب لأنماط العنف العشوائي -إذا جاز التعبير- سواء البلطجة أو غيرها، فهي ليست وعلي مدار الوقت أنماط عنف منطقية أو ارتزاقية أو تطور طبيعي أو نتيجة طبيعية لاستفزازات مباشرة لهذه الفئات. ففي بعض الأحيان تمثل هذه الأفعال العنفية أو الاحتجاجية محاولة للثأر أو الانتقام من هذا المركز الذي يخلقهم وينبذهم ويهمشهم. من ناحية أخري وبالتوازى شهدت بدايات السبعينات بزوغ أنماط أخرى من العنف، بشكل أساسي العنف الديني، ووفقا للتصور الذي تطرحه الورقة النقاشية ارتبط بزوغ هذا النوعية من ممارسات العنف أو الاحتجاج باختلاف أنماط الهجرة وأنماط الاستيطان داخل المجتمعات العشوائية، البرجوازية الصغيرة المدينية بالأساس بسماتها المتمايزة من ارتفاع مكونها التعليمي، إحساسها المتزايد بالحرمان النسبي كنتيجة لتهميش الدولة لها، وعيها الذي يغلب عليه الميل بشكل أعلي لتبني الأيديولوجيات السلفية أو المحافظة، فكرة الحنين أو النوستالجيا لمجتمع ونمط علاقات ما قبل الرأسمالية، مجتمع ما قبل تهميشهم، والتي يمكن اعتبارها بمثابة الحضانة أو الأرضية الملائمة لتوطين إيديولوجيات العنف الديني وتوطين أساليب الاحتجاجات أو إعلاء نسبة الاحتجاج في معطاه أو في مظهره الديني .
النقطة الأخيرة التي تشير إليها الورقة، تتمثل في أن هذه الأزمة التي يشهدها المجتمع المصري، والتي تجسد تشوهات النمو الرأسمالي المتأخر هي في الحقيقة مرشحة للتفاقم.فالأزمة الاقتصادية والاجتماعية تتفاقم طوال الوقت، لقد تجاوز ذلك الوضع حيز الفرضية أو التصور حيث أضحي واقعا ملموسا فعلى مدار السنة الأخيرة فقط انخفضت المستويات المعيشية لمجمل الشعب المصري بنسبة 30%، كنتيجة لاختلاف سعر صرف العملة، أو بعني أدق خفض القيمة الشرائية للجنية المصري. من ناحية أخري فقد تخلت الدولة منذ فترة طويلة عن دورها كمنتج وموظف وبالتالي فإن هذه الفئات التي كانت تجد ملجأ في حضن الدولة، وهو ما كان يتيح بالتالي إمكانية استيعابها وإدماجها إنتاجيا وثقافيا وسلوكيا، قد تدهورت أوضاعها الاجتماعية والمعيشية إلى حد كبير، أيضا هناك تفاقم لضغوط الرأسمالية العقارية -في إطار محاولتها لتجاوز الأزمة العضوية للرأسمالية المصرية- لإعادة التخطيط العمراني، وفي هذا السياق علينا الانتباه إلي ثقل الرأسمالية العقارية باعتبارها شريحة أو فئة أساسية من النخبة الحاكمة بالمعني الاجتماعي، فهي تري في هذه الأماكن الهامشية أو العشوائية خاصة تلك المتواجدة داخل الكردون المديني للمراكز الحضرية فرصة مغرية للاستثمار ولذلك فهي تضغط علي أجهزة الدولة وعلى حساب هذه الفئات. هذه معاملات في مجملها تطرح إمكانية متزايدة لتفاقم معدلات العنف الاجتماعي بشقيه: العنف العشوائي أو التلقائي غير المؤدلج، العنف الانتقامي الثأري، وأيضاً إمكانية لعودة ظهور أو بزوغ العنف الديني. عصام فوزي: شكراً أستاذ باهر، علي الرغم من الطابع الشامل لورقة النقاش وتغطيتها لجوانب الظاهرة المختلفة، إلا أن هناك العديد من الأسئلة المعلقة المطروحة للحوار، من بينها مثلاً ، هل يمكن الحديث عن سمات ثقافية ونفسية لقاطني العشوائيات، انساق قيمية جمالية ، أنماط سلوكية وغيرها. أيضاً هل يمكن الحديث عن عنف اجتماعي سائد في العشوائيات باعتباره ظاهرة نوعية كما وكيفا، باعتباره مختلف عن كافة أنماط العنف داخل تكوين المجتمع سواء من حيث الكم أو الكيف. السؤال الأخر مثلاً متعلق بأن العشوائيات فعلا كما أشار الزميل لم تعد فقط مستقراً للنازحين من الريف، ولكن أيضا هاجرت إليها العديد من الفئات الاجتماعية مثال الحرفيين الصغار أو من يسمون بالبرجوازية الصغيرة، بل وبعض من فئات الطبقة العاملة المطرودة من عملية الإنتاج بعد عملية الخصخصة، هل هذه الفئات تذهب للعشوائيات بأيدلوجيتها، بمعني آخر هل يمكن أن نتحدث عن تبرأ أيديولوجي لهذه الفئات بمجرد تركها لمواقع الإنتاج، أم أنها تحمل هذه الأيديولوجية معها بغض النظر عن موقعها الطبقي الجديد، إلي أي مدي تختزل هذه الأفكار والمفاهيم وكيف يحدث تنصل أو تجزأ لأيديولوجيات المجتمع. أيضا سؤال حول إمكانية الاستيعاب والدمج المجتمعي لسكان العشوائيات، في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الأخيرة، بمعنى هل الظاهرة في سبيلها للتفاقم ومزيد من السوء ، أم أن هناك في إطار السياسات الاقتصادية والاجتماعية التى تنفذها الدولة إمكانيات لاحتوائها. أيضاً هناك سؤال مطروح حول ميكانزمات التأثير الاجتماعي ، كميكانزمات معاكسة لما يحدث في العشوائيات من تفكك ومن انهيار. أيضاً هناك سؤال مطروح حول دور العمل الأهلي، يعنى إذا لم يكن هناك دور للحكومة أو غيرها، هل يمكن أن يملأ العمل الأهلي الفراغ في العشوائيات. سؤال أخر مهم، وهو ربما يكون سؤال استفزازي، حول العنف، فالزميل باهر يتحدث في ورقته عن العنف المرتبط بالعشوائيات، العنف الاجتماعي للعشوائيات، ولكن هل يصح أيضا أن نتحدث عن عنف الدولة، أليس هذا رداً على عنف الدولة المباشر ، بمعني استخدام قوات الأمن لإخلاء مناطق بكاملها، بمعنى هيمنة رجل الدولة الأمني، في صورته المصغرة الممثلة في مثلاً المخبر والشرطي وكذا وصولاً إلى الباشا المأمور وغيره. أيضاً العنف غير المباشر، الضغط الاجتماعي والاقتصادي الدائم على سكان العشوائيات ، ألا يصح أن نتحدث عن عنف مقابل عنف، إلى أين سوف يؤدي ذلك؟ الصراع أو النزاع الأهلي المدني، وكيف يؤثر على مستقبل العلاقات الاجتماعية. على أية حال فهذه كلها أسئلة مطروحة ونحن نرحب بالباحثين الرئيسين في هذه الجلسة أ.ضياء رشوان الباحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، الدكتور على فهمي الباحث بالعلوم الاجتماعية والدكتور محمود الكردي أستاذ علم الاجتماع، سيتحدث الأساتذة وبعد الثلاث كلمات أو الورقات سوف يفتح باب الحوار للجميع، يتفضل الدكتور ضياء رشوان.
ضياء رشوان: في البداية اشكر المركز المصري لحقوق السكن على هذه الدعوة وعلى هذا الموضوع، في الحقيقة أنه ليس موضوعا واحداً بل أكثر من موضوع متداخل، حاولت ورقة العمل أن تتطرق إلى بعض هذه الموضوعات وبإجادة كبيرة، ولكنها أيضاً لم تستطع، لأننا جميعا لا نستطيع أن نوفي هذا الموضوع المتعدد الأبعاد حقه، سأحاول أن أكون مختصراً لإتاحة فرصة أكبر للمناقشة. لأنها في رأي ستكون أكثر أهمية من أي تداخلات منا. في البداية بعض الملاحظات الأولية. الحقيقة أننا عندما نتحدث عن العشوائيات والعنف الاجتماعي، ربما كما حاولت الورقة ، وربما كما كانت تحاول كتابات كثيرة، ينصرف إلى الذهن مباشرة، أننا نتحدث عن تلك المناطق المحصورة جغرافياً حول المدن أو على أطرافها الشعبية، أو بدايات المناطق الصحراوية أو المناطق الزراعية التى تم تجريفها، وبالتالي ينحصر حديثنا في النطاق الجغرافي، بمعني أننا نضع تعريفا للعشوائيات بهذا المعني، ربما يكون من الأولي أن ننصرف إلي ما يمكن أن نسميه تعريفا مصريا للعشوائيات، العشوائيات، هل هذا هو معناها الدقيق؟ ربما في أماكن كثيرة، أظن أننا عندما نتحدث عن العشوائيات في النظام المصري، في النظام الاجتماعي المصري، ربما يكون من الأوفق، أن نضع تعريفاً مختلفاً قليلاً في هذه الإطار، وانطلاقا أيضا من نفس المؤشرات التى يمكن أن نراها للحالة العشوائية التى نتحدث عنها، هذه المناطق الجغرافية التقليدية التى نسميها العشوائيات ربما نري أن نفس هذه المؤشرات الموجودة في كل المجتمعات، العنف بمعنى الفوضى الذي تتحدث عنه الورقة، أو الذي نتحدث عنه جميعا، موجود في مساحات أخري غير العشوائيات التى نسميها تقليداً هكذا.
ظاهرة اختلاط النظم القيمية المتجاورة المتصارعة معاً أيضاً موجودة في مناحي أو مناطق كثيرة من المجتمع، ربما يكون الفارق الوحيد هو ذلك المتعلق بالمشهد الخارجي، إن هذه المنطقة عشوائية بحكم افتقادها لبعض الخدمات، لافتقادها لبعض النظافة، لكن الحالة العشوائية، هي حالة مجتمع بأكمله، هذه الحالة في اعتقادي ترتبط بعنصر رئيسي أشارت إليه الورقة، هو انسحاب الدولة المصرية، والمجتمع المصري، كما أظن واعتقد هو مجتمع قائم على وجود الدولة، وجود الدولة بطريقة ما محسوسة أو غير محسوسة، ولكن شعور المواطن أن الدولة هنا موجودة سواء في أداء اقتصادي، أداء اجتماعي، أداء ثقافي، ولكنها موجودة بأداء ما. في هذه الحالة، فإن الدولة اليوم تبدو غائبة عن كل مناطق مصر الجغرافية، وربما هذه الانسحابات غير المفهومة أو المفهومة جدا للدولة خلال العشرين عاما الأخيرة، هو الذي أدي لهذه الحالة العشوائية العامة، وجزء منها الحالة العشوائية التقليدية، التى نتحدث عنها، وربما ينصرف الذهن في الحديث عنها اليوم، هذا الانسحاب لم يكن فقط انسحابا، بمعنى تبنى الدولة لمشروع اقتصادي اجتماعي مختلف عما ألفناه في الخمسينيات والستينات، ولكنه أيضاً انسحاب، بمعنى أن الدولة في العشرين عاما الأخيرة، لا تملك ولم تعلن حتى اليوم غير أحاديث شفوية عما تعتقده في كيفية إدارة المجتمع، لا توجد وثيقة واحدة في مصر منذ عهد الرئيس السادات حتى اليوم تعلن لنا رؤية الدولة، الدولة اليوم دولة لا تمتلك استراتيجية أو رؤية، هي دولة لإدارة الأمور، دولة لديها هدفين أساسيين : الحفاظ على الاستقرار، والحفاظ على الأمن، وإذا ترافق هذا الغياب، غياب الرؤية، غياب الفكرة، مع الانسحاب الملاحظ للدولة في كل المناطق الاجتماعية والجغرافية والثقافية، لنا أن نتخيل أن هذه هي العشوائية، كما نفهمها في المجتمع، وبالتالي تأتي هذه الظواهر التى نتحدث عنها من أول أحداث العنف التى نراها في بعض الطبقات العليا جدا، مثل حادث أركاديا وغيره، حتى أحداث البساتين. كل هذا يدخل ضمن ما نسميه بالتعريف المصري للعشوائيات، وربما يكون هذا مرتبطا بظاهرة أخري للعشوائية، تبدو واضحة للغاية في المجتمع المصري وهى تلك الظاهرة التي تسمي على المستوى السياسي بالظاهرة المملوكية، بمعنى أن هناك، وهذا بدا واضحا في السنوات الأخيرة، إدارة مملوكية على المستوى السياسي، بمعنى أن هناك توجه للإدارة بالتفويض، أن الدولة تفوض كل مالك يدير مكانا عاما أو خاصا، لكي يديره كما يريد، وأن يفعل به كما يريد، يديره بالفساد أو من غير فساد أو بولاء، بشرط أساسي أن لا يتمرد المملوك على المملوك الأكبر منه. وبشرط أخر هو أن يحافظ على الاستقرار وعلى الأمن، مادام هذان الشرطان الرئيسيان متوافران فالظاهرة مستمرة. هذه الإدارة المملوكية أدت، على المستوى السياسي والاجتماعي، إلي الانقطاع والتجزر، بمعنى الجزيرة، وعبر المواءمة بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ربما نستطيع أن نتفهم وأن ندرس معاً، ظاهرة العشوائيات التقليدية، لآن هذه الظاهرة، كما كتب كتاب كثيرون، وحضراتكم بالتأكيد أكثر منى مساهمة في ذلك، هي ظاهرة قديمة، ربما تعود إلى العشرينيات على الأقل في القاهرة الكبرى، ولكننا لم نحس بخطرها إلا في السنوات الأخيرة، بدأنا نشعر بالظاهرة، وكما نوهت ورقة النقاش فإن هناك ضرورة لوضع الظاهرة في سياقها ومراعاة طبيعة التطور الاقتصادي والاجتماعي في مصر والأعراض الجانبية له، ولكن رغم ذلك يظل هذا الموضوع في حاجة إلى تصور مصري لما هي العشوائيات. ففي الحديث عن العشوائية في المجتمع المصري نعنى بداية غياب الدولة، عدم رغبتها في لعب دور محدد في المجتمع، يفرضه المجتمع والتاريخ معاً، ويلقي قبولا عاماً في المجتمع. أيضا نعني هذا الانقطاع والتجزر ما بين بنى المجتمع والسياسة المختلفة، وربما ووجود حالة أحيانا من الصراع الشديد فيما بين هذه الجزر، كل هذا أثر على هذه الظاهرة العشوائية ، التى تعد العشوائيات التقليدية جزءا لا يتجزأ منها ، وأشكر المركز وحضراتكم جزيلاً.



الجزء الاول|| الجزء الثاني|| الجزءالثالث|| الجزء الرابع|| الجزء الخامس|| الجزء السادس
3أ شارع محمد حجاج من شارع محمود بسيوني - ميدان عبدالمنعم رياض - الدور الثالث شقة 17 .
تليفون : 5744428 / 5781003 فاكس : 5744428          بريد الكتروني : egypt@echr.org
تصميم : جمال عيد