English عن المركز بيانات صحفية حالات ساخنة الدعم القانوني ورش عمل إصدارات مواقع بريد
الصفحة الرئيسية المركز المصري لحقوق السكن
العشوائيات والعنف الاجتماعي
الجزء الاول|| الجزء الثاني|| الجزءالثالث|| الجزء الرابع|| الجزء الخامس|| الجزء السادس
عصام فوزي:
شكراً للأستاذ ضياء، لقد أثار حديثه حقيقة عددا من القضايا والمفاهيم الجديدة والهامة التى تستحق النقاش، فقد طرح أولاً أن العشوائيات قائمة على غياب الدولة والتجزر المجتمعي والسياسي، أن تعريف العشوائيات يشمل المجتمع كله، على أساس التأكيد علي شمولية الظاهرة، فالتعنت فيما يتعلق بخصوصية الظاهرة، قد يعنى نفض أيدينا من الظاهرة، باعتبارها تعم المجتمع كله، ويمكن المقارنة بسهولة بين حادث اركاديا وحادث البساتين. من ناحية أخرى فإن المفهوم الثاني الذي طرحه الأستاذ ضياء، هو ما يتعلق بالإدارة المملوكية على المستوى السياسي للدولة مفهوم جدير بالمناقشة، لأنه يطرح أداءا فرديا، وربما اعتقد البعض أنه يميز مفهوم البنية الاجتماعية، الصلاحية المطلقة للأفراد، بالشرطين اللذين طرحهما الأستاذ ضياء ألا يتمرد ضد من فوقه، وأن يحقق الأمن والاستقرار. وأصبحت هذه المكانة موكلة للافراد، ألا يحدث تضارب على مستوى المجتمعً، ألا يحدث تضارب يبين القيم والمواقف، إلا أن هذا المفهوم يطرح تساؤلات علي صعيد آخر، فأين توجد الفئات الاجتماعية،هل اختفت الطبقات الاجتماعية، وأصبح المجتمع مكونا من مجموعة من الأفراد؟ كلها أسئلة أقوم بطرحها باعتبار أنني احمل نظرة مختلفة، وأعتقد أنه من الضروري مساجلتها في أثناء النقاش. ننتقل إلى الدكتور على فهمي، والدكتور صدر له كتاب مؤخراً حول هذه الظاهرة تحديداً، يستعرض فيه الأسباب التاريخية لنشأة ظاهرة العشوائيات ونتائجها الحالية

. يسعدنا الاستماع إليه.د.على فهمي: الواقع إن موضوع العشوائيات متشعب للغاية، وأنا معني به منذ حوالي 25 سنة تقريبا ولذلك سأقصر الكلام على إثارة بعض المسائل ، التي يمكن أن تكون مثيرة للنقاش والجدل. هل العشوائيات في القاهرة ظاهرة حديثة أم قديمة؟ هذا سؤال وأنا أزعم وسوف أدلل أنها قديمة جداً، منذ إنشاء القاهرة وليست من القرن الماضي .هل العنف الاجتماعي ظاهرة قديمة أم حديثة؟ وأنا أجيب مقدما وسوف أدلل بإيجاز أنها قديمة جداً وأنه يأخذ أي العنف الاجتماعي، سمات محددة هي هبات عنيفة تقوم على النهب والسرقة والإتلاف والحرق أساساً . هذا قائم منذ ألف سنة على الأقل، بل أكثر من ذلك، واستعين في هذا ( في الإجابتين السابقتين) بحكايات المؤرخين المصريين، وقد كانوا شهود عيان، وكانوا أتقياء "مش كدابين"، والإضافة إلى عدد من كتب الرحالة المسلمين الذين كانوا يفدون من الأندلس والمغرب، قاصدين مكة المكرمة عبر الطريق البحري من الإسكندرية فالسويس براً ثم الأراضي المقدسة، يوجد أيضا عدد من الرحالة الأجانب الذين أقاموا في مصر أيام المقريزى والبغدادي تقريباً، وحتى أوائل القرن العشرين أو بعده. استعراض سريع: لم يعرف المصريون قبل الفتح العربي أو الغزو العربي الإسلامي عاصمة لمصر، في هذه المساحة التى تحتلها العاصمة المصرية منذ الفتح العربي، كانت العواصم أما جنوبا قليلا أو بعيداً أما شمالا قليلا أو بعيداً أو في الإسكندرية، ويبدوا أن مخططي المدن المصريين كانوا يبتعدون عن هذه المساحة المكانية الجغرافية لسوء مناخها، وهو ما أثبتته كتابات كثيرة فيما بعد، لدرجة أن كتابات عديدة متلاحقة تروى أن أطفال الأجانب لم يبق منهم على قيد الحياة طفل واحد في القاهرة، ويلاحظ أن العرب المسلمين الفاتحين قد اخططوا أول عاصمة عربية إسلامية في حضن حصن بابليون وبعض الأديرة القبطية على الشاطئ الشرقي للنيل، وفى حماية تلال المقطم، والعواصم الثلاث بعد الفسطاط قد انتهجت نفس النهج من الشمال الشرقي للقاهرة، مع ملاحظة هامة تغيب عن بال كثيرين أن مجرى النيل لم يكن كمجراه الحالي، بل كان إلى الشرق، وقد أثبت على مبارك في القرن التاسع عشر أن النيل كان يجري قبيل الفتح العربي الإسلامي عند المنطقة التى يقع فيها الأزهر الشريف

حالياً، وكما يقرر "جمال حمدان" فقد كان ينسحب غرباً بالتدريج وقد أوقف هذا الانسحاب نهائيا وإلي الأبد بإنشاء السد العالي، ولذلك عجز العرب الفاتحون بعد احتلال الفسطاط عن العبور إلى منطقة الجيزة اثني عشر سنة، ولما استطاعوا فتحها عن طريق الكباري المعلقة بالسفن سميت بالجيزة، من اجتاز يجتازوا ، وكانت وصية الخليفة عمر بن الخطاب لقائده عمرو بن العاص ألا يجعل العاصمة المصرية يفصل بينها وبين شبه جزيرة العرب بحر، فالعرب أمة برية وليست بحرية . هذه ملاحظة أولية.عندما أنشئت الفسطاط والقطائع والعسكر وحتى القاهرة المعزية، أنشئت كمدن عسكرية أساساً فلم تكن تحوي الكثير من المصريين، ربما بعض الرهبان أو الحرفيين "أعداد قليلة"، ولكن يمكن تصور أن الكثيرين من المصرين القبط من أرياف مصر القريبة من هذا الموقع الجديد، قد هاجروا لخدمة الجيوش الغازية أو الفاتحة، فضلا عن القبائل التى هاجرت أو هجرت بعد الفتح، فقد تمصروا واتصلت العواصم القديمة فيما بينها وأصبحت عاصمة مركزية، كما يقرر جمال حمدان، كرأس كاسح لجسد كسيح. هذه هي الملامح العامة باختصار.ماذا يقول أبن سعيد مثلا، الرحالة الأندلسي الذي جاء إلى القاهرة ومصر، مصر العتيقة مصر الفسطاط، ؟ في القرن الحادي عشر الميلادي، أي بعد إنشاء القاهرة بخمسين عاماً، إنه يفرد وصفا تفصيليا عن فسطاط مصر وقاهرة المعز في عهده، سواء من حيث الخطط العمرانية أو السكان ويصف تجربته في الخروج من القاهرة في سعيه إلي مشاهدة الفسطاط فيقول " ولما أقبلت علي الفسطاط أدبرت عني المسرة وتأملت أسوارا مثلمة سوداء وأفاقا مغبرة ودخلت من بابها وهي دون غلق يفضي إلي خراب معمور بمبان مشتتة الوضع غير مستقيمة الشوارع .. وحول أبوابها من التراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النظيف ويفض طرف الظريف فسرت إلي أن انتهيت إلي المسجد الجامع فعاينت من ضيق الأسواق حوله ما ذكرت به ضده في جامع اشبيلية وجامع مراكش ثم دخلت إليه فعاينت جامعا كبيرا قديم البناء غير مزخرف.. وأبصرت العامة قد جعلوه معبرا، خطاه، لأقدامهم يجوزون فيه من باب إلي باب ليقرب عليهم الطريق. ثم يشير الرحالة إلي حالة الازدحام الشديدة في القاهرة، فيحكي أنه عاين بنفسه متجولا في الفسطاط مبني يبلغ ارتفاعه ثلاثة عشر طابقا، واعتقد أن الرقم ليس مبالغا فيه،ً وأن الزحام الشديد كان في القاهرة ومصر، مصر القديمة، على مدى الألف سنة الفائتة، على الرغم من أننا نعلم جميعا أن عدد سكان القاهرة، لم يتجاوز البتة 250 آلف نسمة على أقصي تقدير، وأن هناك فراغات كثيرة بين الأحياء، وأن أول خطة عمرانية حديثة قد تم تنفيذها علي مدي ست سنوات في الفترة ما بين 1863 و 1869 وأن عهد الخديوي العظيم إسماعيل هو الذي نفذ الخطة، وضعت الخطة بواسطة المهندسين المصريين الذين تعلموا في باريس برئاسة على باشا مبارك، وقد لا يعلم البعض أن على مبارك هو خريج معهد تخطيط المدن في باريس، وكان مهندسا مدنياً لا رجل معارفً، وأنه خطط باريس وخطط القاهرة على نمط تخطيط زميله أوسمان لمدينة باريس، هذه هي القاهرة الإسماعيلية التي نراها ونستمتع بها، فالعشوائيات سيداتي وسادتي موجودة منذ زمن بعيد ولأسباب كثيرة، هذا عن الشق العشوائي.الشق الثاني الذي أود أن أشير إليه أيضا أن الحرافيش أو العوام الذين عاشوا في القاهرة خلال هذه الفترة كانوا يعيدون توزيع الثروة كل أسبوع تقريبا بطرق عديدة، فقد كان يكفي أن يتسرب إلي الشوارع أن الوالي قد غضب أو نقم علي أحد الأعيان حتى يبادروا لوضع هذه النقمة موضع التنفيذ فيهجمون علي منزله ويستولوا علي كل ما فيه "حتى أن بعض الكتابات تذكر قيامهم بنزع الأرضيات الرخامية من مكانها" وتوزيعه علي بعضهم البعض، هذا السلوك بالطبع كان يتفاقم في زمن المحن والمجاعات مثل زمن الشدة المستنصرية وغيرها وفقا لما يحكيه لنا الجبرتي. بالطبع لم تكن هذه التصرفات مجرد تنفيذ لرغبة سامية أو تحقيقا لمشيئة الوالي بل كانت بالأساس تعبيرا عن نقمة العوام أو الحرافيش واستيائهم من التباين الهائل ما بين أوضاعهم الاجتماعية وأوضاع الفئات العليا من الولاة والتجار وغيرهم. هذا الكلام كلام خطير لأن رد الفعل الجماهيري للعوام، أو إذا شئت الحرافيش رد فعل عنيف وهذا العنف هو السمة الأساسية لتحركاتهم. لقد تكرر ذلك في أحداث 1952 وقد كنت شاهد عيان، حيث كنت أثنائها طالبا في كلية الحقوق في السنة الأولي، وتكرر في يناير 1977 بنفس التكتيك، وتكرر في 1986 في أحداث الأمن المركزي، فقد انطلقت هذه الفئات التي يصدق عليها توصيف الجبرتي "سكان الحارات الجوانية" ينهبون ويسرقون، وقد رأيتهم بعيني في 1977 . هذه الفئات هي ذاتها التي قامت بإشعال المظاهرات في ثاني أيام الزلزال (1992) عندما كان رئيس الدولة في اليابان أو الصين، حيث انسابوا في الشوارع منددين ومتسائلين عن المعونة التي وعدتهم بها الدولة، كانت الشعارات وقتذاك " فين المعونة يا … هاتوا يا .." هذا في ثاني أيام الزلزال، وقتها بالطبع لم يكن ممكنا وصول أية معونة من أي مكان في العالم إلا أن هذه المظاهرات والشعارات كانت تجسد سمة أساسية في طبيعة العلاقة ما بين هذه الفئات وما بين الدولة المصرية، هذه السمة التي يمكن أن نطلق عليها فقدان الثقة المتبادلة بين السلطة والشعب، وهى أحد ملامح هذه المجتمع، ولا تقتصر علي فئة دون غيرها. أنا شخصياً لا أثق في الدولة علنا، الدولة كاذبة في نظري ، قد أكون مخطئا إلا أن هذا ما أراه وهى أيضا لا تثق في. من ناحية أخري وفيما يتعلق بأبعاد ظاهرة العشوائيات، هل يمكن اختزالها إلي مجرد أزمة إسكان، كما كنت أقول لبعض الأخوة، أنا شخصيا لم أري طوال حياتي لافتة "شقة للإيجار" وحتى في الأربعينيات كانت هناك أزمة وهو ما دفع الملك فاروق "رحمه الله" في عام 1943 إلي مد اثر عقود الإيجار بالمخالفة لقانون الإيجارات، معني ذلك وجود أزمة، أي أن هناك أزمة، موجودة، وتتزايد، إنما العشوائيات أو بالأحرى إشكاليتها الحالية في بعض أبعادها، كما أشارت الورقة الخلفية، في انعدام التجانس واختلاف الفئات والشرائح الاجتماعية القاطنة في العشوائيات. لقد تغير السكان فعندما كنت أعمل سنة 1979 في عشش الترجمان وعرب المحمدي قبل إزالتهما، وقد أزيلا بليل، كان الناس هناك يقولون لي وللباحثات والباحثين، إن الرئيس السادات كان مصرا على إزالة هاتين المنطقتين، لأن منهما بدأت اضطرابات 1977 ، لقد كانت هذه تصورات الناس، لقد ربطوا ما بين الإزالة القسرية والفورية والهدف الأساسي للنظام الحاكم والمتمثل في الاستقرار. المشكلة أن النظام في سياق سعيه لتحقيق هذه الغاية يضرب عرض الحائط بالمصالح والاحتياجات الأساسية لشرائح اجتماعية عريضة. فالإزالة أو إعادة التوطين تنزع هذه الفئات من مجالها الحيوي ولا تراعي ارتباطها المعيشي بمناطق بعينها، فهي تمس أكل العيش وأنماط الارتزاق والتعيش لهذه الفئات، فعلي سبيل المثال كيف تتصرف امرأة تبيع سمك بسارية في عشش الترجمان عندما يتم إعادة توطينها في عين شمس، المسألة مش مجرد سكن، ده رزق، حياتها اليومية، مثلا في عشش الترجمان، تقريباً 90% من القاطنين هناك، بناءا على مسح شامل قمت بالإشراف عليه في عام 1979، كانت جذورهم العائلية ترجع إلي محافظات الصعيد وخاصة أسيوط وقنا، في حين أن عرب المحمدي، وكنت اجري البحث بالتوازي في نفس الفترة مع فريق أخر من الباحثين، كانوا من الدلتا، من وجه بحري، وبالأخص من المنوفية. وكانت مهن الخفاء، التي يتم توصيفها بالمهن الإجرامية في الترجمان تختلف عن مهن الخفاء في عرب المحمدي، المهن الخفية في عشش الترجمان المخدرات، لدرجة أنى شاهدت عشرات الغرز ودعيت لعشرات الغرز، هؤلاء الناس في معظمهم أو غالبيتهم علي الأقل يشتغلون في تجارة المخدرات أو نقل المخدرات، حتى الأطفال الصغيرين. من ناحية أخرى كان من بينهم عدد كبير من السعاة العاملين في دوواين الحكومة، فراشين وسعاه، وهؤلاء كانوا يبكون فعلاً، لأن مجرد نقلهم لعين شمس أو الزاوية الحمراء، معناه مضاعفة تكاليف الانتقال عدة مرات إلي ما يتراوح ما بين 2-3 جنيهات يوميا وهو مبلغ لا يستطيع تحمله في ظل دخله المتواضع. أما في عرب المحمدي فقد كان الرجال أو عدد كبير منهم، يمتهنون مهنة غريبة جداً، وهى بيع الدم لمستشفى الدمرداش كل أسبوع أو أسبوعين، أما النسبة الغالبة من النساء فقد كن يمتهن الخدمة في المساكن المفروشة في مصر الجديدة، وهي بالطبع الخدمة بالمعني المعاصر، أي الخدمة والدعارة، خاصة مع العرب، وقد حكت لي بعضهن أن أزواجهم يعلمون بما يفعلن ولا يمانعون طالما أن هناك عائد مادي. النقطة الثانية تتعلق بالتكوين الاجتماعي للعشوائيات، خلال فترة الزلزال وما بعدها، اضطرت أعداد كبيرة لترك منازلها نتيجة لانهيارها أو تصدعها ومن ثم استوطنت المناطق العشوائية، ولذلك إنعدم التجانس، أو قل جداً مقارنة بالعشوائيات القديمة، وبالتالي ازداد الأمر تفاقماً وتزايدت حدة الصراع بين القوي والفئات الاجتماعية القاطنة بالعشوائيات، وقد فاقم من ذلك بالطبع افتقار هذه المناطق للعديد من الخدمات الأساسية، فماء الشرب علي سبيل المثال غير متوافر في العديد من هذه المناطق، ويباع بالجالون والصفيحة على عربات "كارو بالحمار"، وبأسعار مبالغ فيها بواسطة البلطجية، الخلاصة أن الدولة كما غابت في مجال الخدمات غائبة هناك أيضاً، ولكن بشكل شبه كلي، وهو ما أدي لتسلط قيادات أخرى من الفتوات والبلطجية والخارجين عن القانون ورد السجونً، والحكومة عاجزة أو غير راغبة في الصدام معهم. ووحدات التنفيذ عاجزة عن التواجد هناك إلى

آخره، ولكن من ناحية أخرى فإن غالبية السكان هناك، كما رأيت في بعض المناطق العشوائية، هم من أسميهم أو أفضل تسميتهم بالمستضعفون في الأرض، أرامل، مطلقات، أطفال غلابة، مرضي، معوقين، مش حقيقي أن غالبية السكان منحرفين، الغالبية أناس عاديين إنما هناك انحراف شديد يسيطر علي هذه الجموع الهائلة من السكان، إذن ما العمل، هنالك العديد من التوقعات، أشخاص كثيرون ذكروا الجماعات الإسلامية الإرهابية، ومنهم الورقة الأولية، إلا أنني لا أعتقد علي الإطلاق في قدرة الجماعات الإسلامية، وهذا رهاني منذ عشرين عاما، علي فعل أي شيء، ليس لقوة الدولة لأنها دولة رخوة كما يقول جلال أمين، وليس لضعف الجماعات الإسلامية، وإنما لأن الدين الشعبي، دين الحرافيش في مصر يرفض هذا النوع من الدين السعودي، يرفض هذا الدين الصحراوي، الدين عندنا فن قارئ القرآن الكريم هنا صوته حلو، هنا المولد فن ولعب وشطارة، مراجيح وسرقة ونشل وقوادة وحشيش وخمور وكله، الدين عندنا فن، الذهنية المصرية ترفض رفضا باتا هؤلاء الآتين من شبه جزيرة الهند وشبه جزيرة العرب، نحن نرفضهم، هنالك كتاب أصدرته سابقا عن دين الحرافيش، اعتقد أنه كتاب مهم في مضمونه، فالجماعات الإسلامية لن يمكن لها في الأرض في هذا البلد أبدا وبإطلاق، بالمقابل تظل ظواهر العنف الاجتماعي التى يمكن أن تصنف كجرائم، سوف تظل وتزيد جرائم السرقة والعنف، خاصة أننا نعلم في أدبيات علم الجريمة انه في العواصم الكبرى والمدن الكبيرة هناك مراكز جذب، مثل مناطق البنوك المهندسين مركز جذب، وسط البلد مركز جذب، وهناك مراكز تفريخ ومراكز التفريخ غير مراكز الجذب، خاصة إذا أدركنا أن هنالك تداخلات جغرافية كثيرة بين مناطق عشوائية فقيرة جداً وبين مناطق ثرية يعنى مناطق تفريخ ومناطق جذب، لنأخذ مثلا بولاق والزمالك، بولاق ووسط البلد بجوارها من الناحية الثانية، أو السيدة زينب وجاردن سيتى، منطقتين متاخمتين، أو ارض اللواء والمهندسين، على غرار ما حدث سالفا، نتوقع حدوث توسع أو إجرام واسع النطاق، إجرام سطو بالذات سطو مسلح، وأنا هنا لا أستبعد أن يقتحموا علينا بيوتنا في يوم من الأيام، خاصة مع البطالة نظرا لأن هناك بين المتعطلين نسبة هامة من المتعلمين الذين درسوا التكنولوجيا، إن حادثة المراغة (سطو مسلح علي أحد البنوك) لم تكن في اعتقادي إحدى عمليات الجماعات الإسلامية، بل كانت جريمة منظمة، وهو ما يعني أننا علي وشك أن ندخل عصر الجرائم المنظمة، لقد كان هنالك مؤتمر شاركت فيه في العام الماضي، كان مؤتمرا دوليا في علم الجريمة، في هذا المؤتمر أشارت التقارير المصرية والعربية إلي عدم وجود ما يسمي بالجريمة المنظمة وهذا حقيقي، لدرجة كبيرة لا توجد جرائم منظمة في مصر، إلا أن هناك احتمالات جدية بظهور جرائم منظمة تكنولوجية، تستخدم فيها تقنيات وهبات جماعية على طراز المصري القديم في القرون الوسطي، بالطبع هناك درجة من الخوف والرهبة وسط صفوف العوام، فالدولة آنذاك -في القرون الوسطي- لم تكن بقوة الدولة حالياً، فالأمن المركزي بمفرده يكاد يكون جيشا كاملا، ولكن العوام لا يعرفون سبيلاً ، ولديهم تحايلات غريبة وظريفة، وأنا أؤيد ذلك، أنا ضد الأدانة، لا اشجع ولا أدين، بل علي العكس ربما أميل للتشجيع، ولكنني بالتأكيد لا أدين هؤلاء الناس فقد فاض بهم الكيل، ولذلك فأنا ميال للسيناريو الثاني وليس الأول، الجماعات الإسلامية لا سبيل لهم أبدا وبإطلاق، وإنما الإجرام ويخشي من الجريمة المنظمة، واعتقد أن هذا سوف يحل قريبا وشكرا لكم. عصام فوزي: شكراً للدكتور على فهمي علي هذا العرض التاريخي لعشوائيات القاهرة منذ نشأتها حتى الآن، لقد استعرض سيادته بعض الأحداث التاريخية التي تشابهت فيها تحركات العوام سواء في نهبهم للعتبات في زمن الشدة المستنصرية إلى يناير 1952 إلى أحداث 1977 إلى الأمن المركزي 1986 وذلك علي الرغم من تفاوت الزمن التاريخي وتفاوت أنماط التنمية والنظم السياسية المسئولة عن قيادة التنمية الاجتماعية علي امتداد هذه الفترة التاريخية ولكن ورغم ذلك فإن هناك ملاحظة موضوعية يجب الانتباه إليها وهي اختفاء هذه الظاهرة أو علي الأقل تراجعها كيفيا خلال الفترة من يناير 1952 إلى يناير 1977 وهو ما يمكن إرجاعه لوجود مظلة اجتماعية في ظل النظام الناصري، أي ظرف اجتماعي سياسي. أين ذهبت ظاهرة العشوائيات في هذه الفترة، ولماذا لم تسر في اتجاهها ، هل هناك علاقة بين اختلاف نمط التنمية الذي كان سائدا في الستينات والذي استطاع استيعاب مساحات واسعة من الجماهير في مظلة إنتاج وفى مؤسسات الدولة وتغول ظاهرة العشوائيات، بمعني أن انسحاب الدولة قد دفع هذه الجموع إلى الشارع ومن ثم اعتادت سبلا أخرى للحصول على رزقها هذا مجرد سؤال.القضية الأخرى التي آثارها الدكتور على فهمي هي قضية هامة جداً وتتعلق باحتمالات الصعود المجدد للقوى الإسلامية، فبعد الضربات التي وجهها النظام الناصري للإخوان المسلمين، لم يتوقع أحد ظهورها مرة أخرى، وكان الشارع أيديولوجيا على أرضية عبد الناصر، شارع قومي يطرح خطابا تقدميا، وبعد نكسة 1967 بدأت عودة الشارع تدريجيا للأيديولوجية الإسلامية وبدأت الجماعات في التكون حتى فوجئنا بهذا النمو المذهل للقوى الإسلامية بتنوعه، ما بين قوى إصلاحية علي شاكلة الإخوان المسلمين، قوي شرعية وتعبوية، إلى قوى تعتمد العنف في منهجها، هذا الكمون المؤقت ثم الظهور اللاحق للقوي الإسلامية هل يمكن تكراره خاصة مع استمرار الشروط بل وتدهورها. هل هناك جماهير مهيأة وقابلة للاستيعاب داخل الأيديولوجيات الأصولية خاصة الجهادية العنيفة منها. بمعني آخر هل يمكن أن يؤدي اتساع العشوائيات لانتقال الرفض من المستوي المؤسسي والتركيبي، إلي المستوي الصدامي العنيف، وفى النهاية الإسلام. هذا سؤال وهناك أسئلة أخري كثيرة تفرض نفسها علي هذا الحوار، ولكن فلننتقل الآن إلي الدكتور محمد الكردي ثم نبدأ الحوار.د. محمود الكردي: شكرا جزيلاً، في البداية أود تقديم الشكر على الدعوة التي قدمها المركز المصري لحقوق السكن للمشاركة في هذا الموضوع فائق الأهمية، والذي يستهوى البعض، وأنا منهم في الحقيقة، لاهتمامي بهذا الموضوع وبخاصة شق العشوائيات منه، وما يتفرع عنه من عنف اجتماعي، كما ذهبت الورقة . أيضا اشكر الأستاذ باهر لإعداده الجيد لهذه الورقة الممتازة على صغرها، والتي كنت أتمنى أن تكون ثلاثون ورقة وليس ثلاثة فقط، ولكنها وعلي الرغم من ذلك أثارت حقائق بالغة الأهمية. بالنسبة لي فإن تعليقي سيكون على هامش هذه الورقة وليس فيها بالتحديد، إلا أنها رغم ذلك ستمس بعض الجوانب التى أثارتها الورقة، بداية الأستاذ ضياء والدكتور على فهمي أشارا إلى وجود مشكلة فيما يتعلق بالمصطلح، مصطلح العشوائيات، ونحن لا نرغب في تضيقه تضيقاً شديدا ولا التوسع فيه توسعاً شديداً، كي لا تضيع المسألة برمتها. فالقضية محل البحث في هذه الندوة هي العشوائيات السكنية، وليس عشوائيات النظام أو الفوضى التى تعيش فيها الدولة..

الخ، المقصود عشوائيات السكن على وجه التحديد، ولكن وحتى في هذه القضية فإن الضبط المنهجي للمصطلح ليس هينا، فليس من السهل تحديد المقصود بالعشوائيات، والمهندس ممدوح الولي، مؤكدا لديه دراية واسعة في هذه المسألة وعاني منها مفهوميا ومنهجيا معاناة شديدة، فهل هي Squatter Settlement or Shanty Towns or Slums أم ذلك كله مجتمعا، هل هي نمط جديد، أم أحياء متدنية متأخرة.. الخ، لم نقف بعد على تحديد واضح ولن نستطيع ذلك إلا بتحديد المناطق التى نقصدها بالفعل، وذلك ما حاولنا إنجازه بالفعل في محاولة المركز القومي للبحوث الاجتماعية -في مشروع بدأ منذ خمس سنوات- لدراسة العشوائيات كمشروع قومي. في هذا المشروع تبنينا بعض المفاهيم وبعض التصورات المتعلقة بدراسات السكن كما تم التفكير في إمكانية التوجه لدراسة عشوائية الريف، بعد أن فرغنا من بعض نماذج عشوائيات الحضر في القاهرة الكبرى على وجه التحديد.إذن المصطلح فيه مشكلة، مصطلح العنف الاجتماعي فيه مشكلة، مشكلة سيولة ، مشكلة تحول واتساع، مشكلة دلالة تتعلق بالمقصود به، هل هو قاصر على منطقة بذاتها ، كقصور العشوائيات السكانية، أم هل هو مفهوم شامل للمجتمع المصري كله يتجسد علي وجه الخصوص في المناطق المتأزمة كالعشوائيات .. الخ.أيضاً أتمنى أن تصل الورقة إلى إيجاد العلاقة المأمولة -كما حاول الأستاذ باهر- بين العشوائية السكانية وبين العنف الاجتماعي، وتحديد ملامح هذا العنف. وأنها وفقا لاعتقادي، ولا اعرف إن كنت اتفق معه في رؤيته أم لا، ليست علاقة سببية بين العشوائيات والعنف الاجتماعي، ولكنها علاقة شاملة وتحتاج إلى رؤية بنائية للمجتمع، وليس رؤية في منطقة محددة أو في مناطق بعينها على الأقل. أنا ازعم إن العشوائيات ليست نمطا واحدا، والدراسات أثبتت ذلك بوضوح، وإنما هي أنماط متعددة متنوعة بالغة التعقيد، كما أن هناك صعوبة بالغة في تحديد نموذج معياري أو قياسي للمنطقة العشوائية.المنطقة العشوائية كبيرة، فعلي سبيل المثال هناك منطقة عشوائية نشأت نتيجة التعدي على أملاك الدولة، منشية ناصر نموذجا وغيرها، كما أن هناك مناطق عشوائية كانت في الأصل نواة ريفية حوصرت بمنطقة حضرية أو صناعية وأصبحت هي نتوءا في جسد المدينة، الحوتية نموذجا ، هل هي مناطق نشأت في أحضان ما حاولت الدول إصلاحه ممثلا في مساكن الإيواء وتفاقمت المشكلة ونشأت حول هذه المساكن مناطق عشوائية جديدة، زينهم نموذجاً، هل هي منطقة نشأت مباشرة كمنطقة عشوائية، الشرابية نموذجا والعشش على وجه التحديد، هل الأشكال الأخرى مثال القوارب في النيل، أو سكنى المقابر، وذلك الأخير نمط فريد تختص به مصر بمفردها علي مستوي العالم بأكمله، هل هي سكنى المنازل الحجرات التي تتواجد في الأسطح أو تحت السلم أو تحت الكباري، هنالك أنماط فريدة متنوعة جميعها تندرج تحت مسمي العشوائيات، لكنها شديدة التباين وهذا محل الصعوبة في الدراسة بالتحديد، فهي ليست شديدة التباين علي الصعيد المادي فقط، ولكنها شديدة التباين في سكانها وفى نوعية الحياة فيها وبمشكلاتها وبالآثار الناجمة عنها ومن بينها العنف. أما فيما يتعلق بتاريخ النشأة، وبالطبع لن أستطيع أن أستطرد فيها كما فعل الأستاذ الدكتور على فهمى، إلا أن ما أريد التأكيد عليه يتمثل في أن تاريخ النشأة مهم للغايةً للوقوف على الظاهرة في تطورها وفى تفاقمها، بل وفى موقف الدولة منها، هنالك أشخاص كثيرة تبحث عن دور الدولة وتستعيد في هذا السياق دعوة الرئيس جمال عبد الناصر حينما دعا لاقتحام الصحراء، ومسارعتهم لتلبية دعوته، وآنذاك كانت منشية ناصر هضبة غير مأهولة بالسكان، لكننا لا نطرح المسألة بهذا الشكل الفج، لقد كانت الدولة تساعد فترة وتغض البصر فترة أخري، وتقاوم فترة ثالثة ، كانت تبحث عن حل سواء حقيقي أو دعائي ، كما يحدث حاليا. دعوني أعرض عليكم بعض أمثلة تكون العشوائيات في مصر، ما أريد قوله في البداية أن وطأة الحياة في الأنماط المعيشية جميعها بما فيها الحضر ذاته والقاهرة على وجه الخصوص، تمثل الأسباب الحيوية لتشكل الأنماط العشوائية جميعا، ونحن في إطارنا المنهجي للبحث اكتشفنا أن العشوائيات ليست مسكنا فقط، لكن المسكن فيها هو المحور الحيوي للموضوع وهنالك مقولة هامة لأحد الباحثين في مجال دراسات السكن تقول " نحن نشيد المنازل ثم تقوم هي ببنائنا بعد ذلك" وهذه حقيقة، فما بالنا إذا لم يكن مسكناً بالمعنى التقليدي المتعارف عليه، إن هذه الوضعية تخلق نوعية حياة متردية بسبب السكن وما حوله، وطريقة السكن ونوعية السكن والدخل، دخل الأسرة التي تقيم في هذا المكان… الخ.لكن الإدعاء الذي يذهب إلي أن سكان العشوائيات قوم سلبيين ساكنين يعيشون على الهوامش غير متفاعلين، أو ما طرحته الورقة الأولية في بعض تحليلاتها من انهم لا يتفاعلون إلا بالعنف مع النطاق الاركيولوجي، فإنه ليس صحيحا وأنا أزعم انه من الوارد بدرجة كبيرة أن تكون رغبتهم الجارفة في الحصول على حقوقهم الآدمية التى لا يحصلون عليهم، وبالتأكيد احتياجاتهم غير الملباة، وبالذات في مجال خدمات المرافق والسكن على وجه التحديد، هو ما يجعلهم يتخذون موقفا من المواقف التى سأحاول مقاربتها. النقطة الهامة في هذا الصدد أن هناك كتلة كبيرة من سكان العشوائيات تعتمد في دخولها أساليب مشروعة، القطاع غير الرسمي يلعب دورا بالغ الأهمية في امتصاص هذه الكتلة ولكنه غير منظم، القطاع غير المنظم مع القطاع غير الرسمي. الاحتمال الثاني أنهم ينخرطون في مسالك غير مشروعة أو الاقتصاد الأسود كما أسماها الأستاذ باهر وهو اقتصاد أسود بالفعل، دعارة ، مخدرات، تهريب، إلى آخره.الموقف الثالث الذي يتبنونه هو الانسياق وراء العنف، والعنف هنا يأخذ عدة أشكال وليس شكلا واحدا، الارتزاق عن طريق البلطجة وهو شكل اصبح شائعا حاليا، ليس لأنهم يفضلون البلطجة، ولكن لأنه لا سبيل آخر أمامهم غير البلطجة ، وأحيانا ما يكون ذلك بدافع الانتقام أو نتيجة لانضوائهم تحت لواء الجماعات الإرهابية، نظرا لما يحققه لهم ذلك من ارتزاق وانتقام وأيضا ادعاء الإصلاح وهذه هي الأيديولوجيا التي يعملون وفقا لها، فهو ليس لصا ولكنه بلطجي بالفعل، يرتزق عبر هذا الطريق ، لكنه يحمل لواء دعوة أيضا، إنني أتصور انه من المبالغة بعض الشيء أن تزعم أن العنف السياسي نشأ فقط في المناطق العشوائية، حتى مع الإحصائيات التي أقدرها جديا والصحيحة كلية والتي تشير إلي أن 55.2% من الأصول الاجتماعية للتنظيمات الجهادية من أبناء بولاق وإمبابة، يمكن أن يكون ذلك صحيحا في سنة من السنوات كما أشارت الإحصائية. لكنني أزعم أن المناطق الفقيرة عموما يمكن أن تكون حاضنة، ولا أقول المناطق الفقيرة ولكن شديدة الفقر، لأمثال هؤلاء، وأن تؤدي لإفراز ظواهر سلبية عديدة من بينها العنف، إلا أنه ليست هناك ضرورة أن تكون هذه المناطق مناطق عشوائية، والدليل على ذلك محافظات الصعيد، وهى محافظات شديدة الفقر وبالذات المنيا وسوهاج، وتقرير التنمية البشرية قد أكد ذلك، ففي هاتين المحافظتين بوجه التحديد برزت كثير من الجماعات التي مارست العنف، أيضا أتصور أن تضاؤل فرص الحياة التي تحفظ للإنسان حقوقه الأساسية سواء الغذاء، الكساء، المسكن، التعليم أو العمل بأجر مناسب ، هي التي تدفع للعنف بكافة طرقه، إذا ما تزاوج غياب هذه العناصر المتفاعلة مع بيئة غير مستقرة وباشتراط افتقادها لعنصر الأمن الاجتماعي، في هذه الحالة تصبح النتيجة شبه المؤكدة هي العنف، ذلك العنف الذي نراه أحيانا موجها ضد الدولة، وطبعا الأمثلة كثيرة، والهبات في 1977 ، 1986 تؤكد هذا بوضوح، فهذه الجموع أو الفئات المحرومة والمقهورة كانت تنتظر هذه اللحظة.

أما عن انسحاب الدولة والذي يشكل خطا أساسيا وهاما في الورقة، فإنه من الهام أن ندرك أن الدولة منسحبة من كل شيء ، كما اتفقنا وعلى كافة الأصعدة، وبالنسبة لكل الشرائح، طبعا تلك الأكثر هشاشة والأكثر حساسية تتأثر أكثر بانسحاب الدولة. من كان يحصل على حقوق من الدولة ولم يعد يحصل عليها يتأثر أكثر، إن الفئات الهشة الضعيفة المهمشة تتأثر أكثر، بيد أن الخطير في هذا الصدد -انسحاب الدولة- لا يقتصر علي العنف الاجتماعي، أو العشوائيات أو غيره، وإنما يتمثل فيما تؤدي إليه من إفقار شامل وما يترتب عليه من فقدان للاستقرار وتراجع معايير وآليات الضبط المجتمعي، وهذا ما أراه يحدث بالفعل واخشي أن يمتد أكثر من ذلك، فقد صار فعل أي شئ ممكنا، ولا يتورع أي شخص عن فعل أي شيء بالطريقة التى يرتضيها وفي الزمان والمكان الذي يرتضيه، وهذه حالة أثرت بالطبع على بنية المجتمع كله، وعلى كافة الأصعدة، لكنها أصابت الفقراء في مقتل بطبيعة الحال ، وذلك طبعا لآن انسحاب الدولة لم يحدث بالصدفة ولا في لحظة عارضة بدون أسباب موضوعية، ولكن بهدف تحقيق ما يسمي أحيانا خطأ بالإصلاح الاقتصادي، وهو إعادة الهيكلة الرأسمالية ليس أكثر. فذلك هو الهدف الرئيسي وهو ما أدي لانسحاب الدولة الذي أدي بالتالي لمضاعفة الأعباء الاجتماعية والمعيشية علي كاهل الفئات الأفقر. للتدليل علي هذه الصيرورة يكفي فقط أن نشير إلي ما يسمي بالمعاش المبكر والذي يتم تطبيقه في إطار إعادة الهيكلة الرأسمالية، فالعمال الذين تركوا أعمالهم في إطار المعاش المبكر تدهورت أوضاعهم المعيشية بشكل بالغ الحدة، فوفقا لبحث ميداني نقوم بإجرائه حاليا عن هذا الموضوع، هبطت مواقعهم الطبقية إلى اسفل مقارنة بما كانوا عليه عندما كانوا يعملون بأجر ضعيف "أخذوا مبلغ وطار وأصبحوا متعطلين لا يتحصلون أساسا على المبلغ الذي كانوا يحصلون عليه من قبل". أما فيما يتعلق بالنقطة الذكية جداً التى أشار إليها الدكتور على فهمى والمتعلقة بمسألة التجانس -تعليقا على الورقة طبعا- فإنني أزعم أن هناك اختلاف في أنماط العشوائيات نفسها ، المشهد الحالي للتركيبة الاجتماعية في العشوائيات يشي أن هناك عدم تجانس، لا يوجد تجانس في التركيبة الاجتماعية في المنطقة العشوائية الواحد أحيانا، خاصة إذا كانت متضخمة مثال منشية ناصر علي سبيل المثال، فالبعض يتصور منشية ناصر منطقة واحدة متجانسة، بالمناسبة نحن نمتلك 1200 منطقة عشوائية، في القاهرة وحدها اكثر من 80 إلى 83 منطقة عشوائية، من أهمها منطقة منشية ناصر، التعداد يحدد عدد سكانها بحوالي 100ألف، ولكن السكان أنفسهم يحددون عددهم بنحو ثلاثة أرباع مليون ، أي أن هناك ما يتراوح ما بين 600-700 ألف مواطن يسكنون هذه المنطقة وحدها. لكن ما أريد قوله انه لا يوجد تجانس في المنطقة العشوائية الواحدة ابتداءا بأصول السكان ومحدداتهم إلى نوعية حياتهم إلى مصادر دخلهم إلى كل محددات التركيبة الاجتماعية، لا يوجد تجانس بل علي العكس السائد هو التفاوت، وهو أحيانا تفاوت بالغ الشدة من اليسر إلى شدة الفقر وهم ينتمون إجمالا إلى الأحياء الفقيرة "العشوائيات" لكن هذه الشرائح في فقر شديد جدا. أما فيما يتعلق بما أشارت إليه الورقة والخاص بمحاولات الدولة لضبط النمو العمراني فهو مسألة هامة للغاية، وإذا ما تناولت هذا الجانب فلن يعدو ذلك مجرد الإشارة، لكن وجود المهندس شوقى من الهيئة العامة للتخطيط العمراني والدكتور عبد المهيمن مدير مركز الدراسات في الهيئة سيغطي بالتأكيد هذا الجانب، الإشارات التي أود طرحها ناتجة من انطباعاتي عن الدراسات التي قمنا بها عن هذا المحور، محور ضغط النمو العمراني ومحاولات ضبط هذا النمو العمراني.

المفروض أن هيئة التخطيط العمراني تقوم ببعض الضغوط، ووزارة التنمية المحلية الآن ألقت على عاتقها مسئولية العشوائيات، المحليات في المحافظات أيضا تتولى هذا الجانب لكن حتى ألان لا توجد استراتيجية من أي جهة من هذه الجهات لتبني قضية العشوائيات، المحاولة الأخيرة الذي يبذلها وزير التنمية المحلية في هذا الصدد هي تلك المتعلقة بفتح ملف لكل منطقة عشوائية وهو جهد مشكور ونتمني أن يستكمل ويتابع ويكون بداية للحل، فأنا أريد أن اعرف ما هي هذه المناطق، وأن تكون هناك "داتا بنك" للمنطقة ومحاولات تطويرها.. الخ، إن من يتصور أو يحلم أن الدول قادرة على إزالة هذه المناطق العشوائية هو شخص يعيش في أوهام متعددة وليس وهم واحد، فذلك حل لا يمكن تحقيقه، ما يتم فعلا هو قيامهم بإزالة المناطق التى لا تصلح نهائيا للسكن، ومن أهمها مناطق العشش في أي مكان، وذلك بالفعل مدخل مهم لكن التطوير والترقية والارتقاء كما يقال هو المخرج الوحيد، الحلول المؤقتة كثيرا ما تكون أشبه بالمسكنات، كما حدث في منشية ناصر، لكن لا بد من إيجاد استراتيجية واضحة، ماذا يمكن أن يتم فعله في هذه العشوائيات المتزايدة، بالمناسبة فإن العشوائيات لم تقف عند حد لكنها متزايدة يوم بعد يوم، من يتصور أن سكان العشوائيات هائمون على وجوههم دائما ويبحثوا عن عمل وجميعهم بلطجية، يقع في خطأ التعميم المخل، هذه ليست الحقيقة فإن لهم أصولا ثابتة ومهنا يعملون بها، لكن هنالك بالطبع البعض ممن يعملون في مهن إجرامية. أما فيما يتعلق بما أسمته الورقة بالعلاقة العضوية بين أنماط الارتزاق وأنماط السكن، فهي موجودة في بعض العشوائيات دون بعضها الأخر، في الحوتية علي سبيل المثال، وعلي هذا الصعيد فإن هناك ذكري لا يمكن أن أنساها مطلقا، كنا آنذاك نقوم بعمل دراسات حالة بعد رفع المنطقة، وكان هناك امرأة مسنة تعيش في بيت ليس آيلا للسقوط بل هو متهدم بالفعل ، فقد كان السلم مهدما وكان هناك بدلا منه سقالة يستخدمونها في الصعود لأعلي، أثناء ذلك لاحظت وجود "غسيل" في أعلي المنزل، فسألت رئيس الحي الذي كان يصحبنا، هو بالطبع لم يكن يريدني أن انظر لأعلي، أو ألاحظ البيت أو أي شيء علي الإطلاق، فقال لي أنه توجد امرأة مجنونة تسكن أعلي البيت المتهدم، كيف يمكن أن تسكن وسط هذا الخراب والخطر!! فمنا بفتح الباب فوجدنا السقالة وأبلغته برغبتي في رؤية المرأة المجنونة، وجدتها كما توقعت أكثر منه عقلا، فعندما قاموا بالإخلاء الإداري للمنزل قاموا بتسليمها خيمة في مركز شباب الحوتية، وعرضوا عليها شقة في الحوامدية بقسط 80 جنيه في الشهر وبدون مقدم، فرفضت معلنة رغبتها في الإقامة في المنزل المتهدم، عندما سألتها عن السبب أو الدافع، قالت لي "أنا ببيع لمون وخضرة هنا وجوزي ممرض في مستشفي العجوزة، التى تبعد 200 متر وأولادي يعملون في الورش الموجودة في الحوتية، وأنا بريح العضمتين فوق ومفيش مشكلة". أي أن أنماط الارتزاق أو التعيش تدفعهم دفعا إلى الحياة في هذه الأماكن. لكن ليس هذا النمط السائد فقط، فهناك أنماط مختلفة، هناك أعمال مستقرة مدرة للدخل في المنطقة أو خارجها.النقطة الأخيرة تتعلق بالتساؤلات التي وردت في نهاية الورقة وهي حقيقة مهمة ومشروعة، وجديرة بالتأمل كيف نخفف من احتمالات الصدام والعنف المجتمعي الآني والأتي، لقد كانت هنالك بعض الاقتراحات علي شكل أسئلة، بيد أن الورقة أثارت سؤالا خطيرا وهاما، لابد من الإجابة عليه في البداية، فقد طرحت تساؤلا حول ما أسمته بنفسية الهامشي أو الساكن العشوائي، وذلك في اعتقادي نوع من المبالغة الشديدة، فليس هنالك تركيبة نفسية نوعية أو مفارقة لقاطني العشوائيات، الشيء اللصيق بالعشوائية السكنية والمسكن بوجه التحديد physical هو ما يسمونه في دراسات السكن the personal space ( الحيز الشخصي) وهو مهدر أو بالأحرى غير موجود وغير قائم وشديد المحدودية في هذه المناطق، وذلك ليس نتيجة لمعيشة فردين أو ثلاثة أحيانا في غرفة واحدة، فدراسات الحيز الشخصي تعني بمسألة قضاء الحاجة والاستحمام والعلاقات الزوجية، فإذا كانت تلك الممارسات الخاصة والشخصية مشاعا يصبح على المكان السلام، ليس على المسكن لأنه لن يصبح مسكنا في هذه الحالة، إن هذا الحيز الشخصي غير متوفر بالفعل في نمط، لن نقول عشوائيات، ولكن في نمط العشش على وجه التحديد، لذلك عندما أقول أنه ينبغي أن تزال فإنها بالفعل ينبغي أن تزال، هذا جانب من الجوانب المهمة والتي يجب دراستها لأنها لن تنتهي في يوم وليلة، هنالك أيضا النمط العشوائي للسكن، دراسة أساليب التعايش، مقاومة الفقر والتحايل عليه، وتلك مسألة بالغة الأهمية في هذه المناطق، فتلك الفئات ليست ساكنة أو مستسلمة لقدرها التعس، ليسوا جميعا بلطجية ولصوص، هناك كتل من البشر يتحايلون على حالة الفقر الشديدة في هذه الأماكن، وقد رأيت بعيني العديد من أمثلة استراتيجيات التحايل تلك، فنظرا لعجز العديد من الأسر عن إعداد غذاء يومي لها، فإن هناك ظاهرة موجودة بانتشار هناك وهي "الغذاء الجماعي"، حيث تتفق عشر أسر أو بالأحرى عشر عشش علي إعداد وجبة كشري علي سبيل المثال، وفي هذه الحالات لابد أن تكون هذه الوجبات بكميات



الجزء الاول|| الجزء الثاني|| الجزءالثالث|| الجزء الرابع|| الجزء الخامس|| الجزء السادس
3أ شارع محمد حجاج من شارع محمود بسيوني - ميدان عبدالمنعم رياض - الدور الثالث شقة 17 .
تليفون : 5744428 / 5781003 فاكس : 5744428          بريد الكتروني : egypt@echr.org
تصميم : جمال عيد