|
|
المركز المصري لحقوق السكن |
|
العشوائيات والعنف الاجتماعي
الجزء الاول||
الجزء الثاني||
الجزءالثالث||
الجزء الرابع||
الجزء الخامس||
الجزء السادس
ضخمة تكلف كل أسرة أو كل مجموعة من سكان العشة ثلاثة أو أربعة جنيهات وتوفر وجبة كبيرة تكفي الناس جميعهم. هذه صورة أو نموذج من أساليب التحايل على المعايش، كما يقال، في هذه المناطق الفقيرة وهناك أساليب كثيرة علي هذه الشاكلة، في حالة الزواج، المرض وهو كثير، في حالة البحث عن عمل، في كل شئ، في صور مختلفة، وقد قمنا بإجراء دراسة في المركز القومي عن الإنفاق الاجتماعي، وكانت هذه الأساليب، أساليب التعايش مع حالة الفقر شائعة ومنتشرة وخاصة في المناطق الفقيرة، وهذا ما يجعل العديدين وأنا من ضمنهم يتساءلون في حيرة عن قدرة هذه الفئات علي الصبر والتحمل والاستمرار، والإجابة تكمن في وجود هذه الميكانزمات القائمة والمتجددة فالمصري لا يجد إلا هذه الأساليب المبتكرة والمتجددة دائما حتى يبقي على قيد الحياة. النقطة الأخيرة أو النقاط الأخرى المهمة التى يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار هي تلك المتعلقة بالقطاع غير الرسمي، ما الذي يمكن عمله لتعضيده وتعزيزه حتى يساعد هذه الكتل من السكان على الحياة والبحث عن عمل أو فرصة دخل اكبر، وأخيرا الورقة كانت متفائلة عندما تساءلت عن حدود فعالية مؤسسات المجتمع المدني "أحزاب-نقابات-جمعيات أهلية"، وهل تعتبر بديلا بعد انسحاب الدولة، طبعا هذه المؤسسات جميعها موجودة ولكنه وجود رمزي وليس وجودا حقيقيا وفاعلا، لقد رأينا علي سبيل المثال كيف يتعامل السكان مع مشكلة المياه في "عزبة خير الله" وتلك مسألة مهمة جداً، فالهضبة عالية وكلما صعدنا لأعلي اختفت المياه "واللي تحت بيبيع الميه للي فوق"، والخدمات الموجودة تحت مش موجودة فوق، والدولة غائبة عن هذا تماما، والوسائل التى يبتكرها القاطنين هناك تعكس ذلك الفقر المدقع، فالانتقالات تتم بواسطة سيارات متهالكة وبدون أرقام، أي غير مسجلة في إدارة المرور، وطبعا لا تخرج خارج حدود المنطقة، وبالطبع فإن تلك السيارات يمكن أن ترتكب ما تشاء دون خوف من عقاب أو مساءلة، في جو ظلام وبدون خدمات .. الخ. علي ذلك فإن ما أريد قوله أن وجود الجمعيات الأهلية في هذه المناطق وجود صوري وجود للسياح لكي يتفرجوا عليه، لكنه ليس وجوداً حقيقيا رغم أهميته، وإذا كانت الدولة مصرة على الانسحاب الذي يتزايد يوم بعد يوم ، فلابد من وجود بديل آخر، ونتمنى أن يكون هذا وشكراً. عصام فوزي: شكراً للدكتور محمود الكردي على هذه المداخلة، خاصة أنها قدمت البنية التحتية المعرفية الإمبريقية في أحوال العشوائيات لكن هناك أيضا عددا من الأسئلة المتعلقة بتحليل المفاهيم، سواء مفهوم العشوائيات أو دراسة مفهوم العنف الاجتماعي، أيضا حالة السيولة التى تشمل الإدارة وعدم التجانس في التركيبة الاجتماعية للعشوائية، هل هي حالة مؤقتة، وهل نحن في سبيلنا للاستقرار بشكل ما بمعني هيمنة رؤية معينة داخل العشوائيات أو منظومة سلمية معينة داخل العشوائيات، نقطة أخري يمكن تلمسها من مداخلة الدكتور محمود حول مستقبل محاولات ضبط النمو العمراني هل يمكن ضبط النمو العمراني فعلا في سياق تركيبة اجتماعية علي هذه الشاكلة، ربما، من المؤكد أن هناك اجتهادات ومحاولات جادة ونية صادقة من قبل القائمين بمحاولات ضبط النمو العمراني، لكن طبيعة الامتلاك الاقتصادي والاجتماعي وتفرد طبقة اجتماعية بعينها بكل خيرات الوطن وبأنانية شديدة لدرجة تثير السخط والحقد الطبقي، وهو ما أشار إليه الدكتور على فهمي في المفارقة المتمثلة ما بين بولاق والزمالك أو بولاق ووسط البلد، فالجمهور العادي والبسطاء يشاهدون يوميا النمو الاقتصادي والسيارات التي تبلغ قيمتها الملايين والعمارات الشاهقة التي تبنى يوميا وكذا وكذا، كما يرون الطابع المنحاز للقوانين والتشريعات الجديدة، مثال القانون الجديد الخاص بالتمويل العقاري والذي يرمي لتنشيط شريحة الرأسمالية العقارية، تلك التي اقترضت من البنوك وترفض السداد حاليا. كذلك فإن هنالك سؤالا آخر، وهو يتعلق بطبيعة الاستراتيجيات المطروحة، فحتى لو كان هنالك استراتيجية، هل يمكن أن نقول صناعة الاستراتيجية على المستوى الجزئي أم على المستوى الكلي، وفى النهاية وفي إطار التوارد فقد استخدم الدكتور محمود تعبير "نحن نبنى المكان والمكان يبنينا" وقد ذكرني ذلك بتعبير آخر وإن كان من زاوية أخرى، تعبير نحته يحي الطاهر عبد الله في حكايات الأمير، عندما قال أن الفقراء يبنون العمارات ولكن لا يسكنونها، وينسحب الصعايدة بعد بناء العمارة ويتركون كبيرهم بوابا عليها، وتصبح المعركة بعد ذلك بين الأكبر سنا والآخرين المنتظرين موته كي يحلوا محله. إنها مجرد مقارنة. علي أية حال فنحن لا نملك سوي أن نشكر الدكتور محمود الكردي علي مداخلته وأمثلته التي جاءت كما الذخيرة الحية، مشاهدات دافئة وساخنة، منحنا مشكورا حق سماعها قبل النشر، وهو ما سيضفي بالطبع المزيد من الزخم والحيوية علي المناقشات، ومن حسن الحظ أن من بين الحضور شخصين لهما اجتهادهم واحتكاكاتهم المباشرة بواقع العشوائيات، الأستاذ ممدوح الولى الصحفي بالأهرام وعضو مجلس نقابة الصحفيين ومؤلف أحد الكتب المتميزة عن العشوائيات وأيضا الأستاذ صفوت فضل الله وهو ممن لهم باع طويل في التعامل مع المناطق الفقيرة والعشوائيات في مشروعات قائمة بالفعل، الأمر الذي قد يجعلنا نستدرج تقييماتنا عن جدية وفعالية الجمعيات الأهلية وما يسمى مؤسسات المجتمع المدني هل هي منسحبة أو لها وجود شكلي، وفقا لتوصيف الدكتور محمود أم أن بعضها يمتلك رؤية ومنظورا واستراتيجية للفعل، فاحقاقا للحق، فإن هناك مؤسسات جادة، وهذه ليست مجاملة، لأنني تعاملت معهم عن قرب ورأيتهم في كوم غراب وفى أكثر من منطقة يعملون جاهدين بغض النظر عن مدي تعاون الواقع معهم أو مدى تعاون أجهزة الدولة أو غيرها، ولكنهم يعملون جاهدين وبشكل تطوعي، ولهم إنجازاتهم. وأنا أتذكر أننا تعاونا معا في كوم غراب في تطوير المنطقة معماريا وثقافيا، ولكن بعدها جاءت الدولة بأدبها المعهود وألغت كل ما أنجزناه. على أية حال إحنا فإن معنا السيد ممدوح الولي وسوف يحدثنا عن تجربته وعن كتابه وعن مشاهداته الملموسة في الواقع ثم يليه الأستاذ صفوت فضل الله. ممدوح الولى: بسم الله الرحمن الرحيم، في الحقيقة أنا دخيل على هذا المجال العلمي ومساهمتي فيه لا تعدو مجرد مشاهدات فقط، كما أنني أدين بالفضل للدكتور على فهمي لبداية تحركي في هذه المناطق. فأنا في الأصل دمياطي ونحن أناس "على جنب شويه" كما أنني محرر بورصة وبنوك والمسائل المادية والعملية تغلب على حركتي في زياراتي لمناطق العشش، وقد تعلمت الدرس من الدكتور على فهمي "إن ما حدش فينا هينجح لوحده"، فالناس كانت تردد وتجتر كلام معاد، فمن كان يذهب إلي المناطق العشوائية إما صحفيين يجرون تحقيقا، أو باحث اجتماعي يجري دراسة أو بحث ثم يتلاشون بعد ذلك، "الناس ملوا زهقوا"، لدرجة انهم عبروا عن سخطهم من هذه الزيارات بقولهم "ما تسبونا في حالنا، يعنى انتو بتفكرونا بالقرف اللي إحنا فيه" فكانت نصيحتي لأي باحث أو طالب كلية فنون جميلة، لأنهم يجرون كل سنة دراسات على هذه المناطق، "خد معاك ولو باكو شمعدان اهديه للأطفال الصغيرين، حتى الناس تحس إنها استفادت من الحوار اللي تم معاك، أو تخلق نوع من الألفة" على هذا المنوال، حاولنا كمجموعة صحفيين من الأهرام أن نقوم بشيء إيجابي، فاخترنا منطقة الشرابية وحاولنا أثناء تكرار زيارتنا أن نكتشف المهام العملية التي يمكن القيام بها، وكل شخص حسب إمكانياته، وسألنا الأشخاص الذين التقيناهم "تقدري تعملي إيه؟" إحدى النساء قالت أقدر اعمل فرشة أبيع عليها شويه خضار، واحدة أخرى تبيع شويه فاكهة، غيرها هتجيب فول نابت وتعمل عشاء، غيرها عايزة ماكينة خياطة لأنها شابة وبتعرف تخيط، المهم حاولنا نلبى طلبات البقالة الصغيرة تلك، وحاولنا متابعة التجربة، وطبعا جميع هذه المشروعات فشلت بعد وقت قصير، والسبب الدائم لذلك ظروف الحياة القاسية والفقر الشديد، "النهاردة الولد تعب وعايز يروح للدكتور ومفيش فلوس، فاضطريت ابيع فرشه الفاكهة والخضار بأي ثمن علشان اوديه للدكتور، العيال جعانين بالليل ومفيش أي حاجة، فكلوا البسكويت والحاجات، واحد شاب مدمن وطلبت معاه بالليل ومفيش أي حاجة طب على عشة الست العجوزة وقلب الحلتين الألومنيوم وباعهم علشان يجيب الكيف بتاعه في هذا اليوم". أنا من خلال صلاتي بالمجال الاقتصادي هنالك اكثر من رجل أعمال أخذته معايا، بهذه الطريقة كنت اسعي لضرب عصفورين بحجر واحد، أولا تحقيق مسألة المصداقية المفقودة كلية فيما يتعلق بالجمعيات الأهلية، فكنت أحاول أن أثبت له أن تبرعاته تصل لمستحقيها بالفعل، الشيء الثاني هو خلق صلة مباشرة بين الطرفين، لأنه مهما حكيت له ومهما قلت له لن يصدق إلا لما يشوف ويتأثر كانسان، والحمد لله، مسألة الطيبة والحس الإنساني فينا كمصريين عالية قوى، فقد رأيت العديد من النماذج النبيلة بين رجال الأعمال لكن القضية لخصتها إحدى السيدات في أحد الأيام ونحن نقوم بتوزيع التبرعات قبل العيد "طب النهاردة اتعشينا، بكرة هنعمل آيه؟" من الصعب للغاية أن ترد عليها بإجابة مقنعة، لأنها حلول مؤقتة لا تسمن ولا تغني، فالمشكلة في جوهرها هي ذلك النقض الأيكولوجي الذي أشار إليه الدكتور على، كلنا في أماكننا، الصبح كل واحد بيروح لشغله، هما برضه كل واحد فيهم بيروح شغله، البت اللي بتمتهن الدعارة تشوف الأماكن بتاعتها، الشاب اللي بيوزع المخدرات والحبوب بيروح مناطق التوزيع وغيره. لكي لا أطيل عليكم، ما أريد قوله هو أن فكرة عمل المشروعات بالشكل الذي أتبعه حاليا، توفير ملابس الدراسة، توفير عمل للبعض، مساعدات بسيطة، لا تسمن ولا تغنى من الجوع بل بالعكس، وربما يكون ذلك مثارا لاهتمام المتخصصين والعاملين في هذا المجال، فالبعض يقول إنكم تساعدونهم على الفساد، فمساعدتهم ماديا تجعلهم يعتمدون عليك ويتوقفون عن محاولة البحث عن عمل أو تحسين ظروفهم المعيشية، طالما المعونة تأتي بسهولة وبسيطة، وطبعا بعض رجال الأعمال يتبرعون بمبالغ "كويسة"، إيه اللي يخليه أو يخليها "تمرمط" نفسها وتقعد طول النهار تشتغل عند ده ولا ده. الشكل الأخر الذي سعينا لفعله هو محاولتنا، أيضا مع بعض رجال الأعمال وكبار المهندسين في مصر، إنشاء جمعية أسمها التكافل السكني، ولكي يتم التصريح لها قمنا باشراك السيدة "أمال عثمان" عندما كانت وزيرة الشئون الاجتماعية في مجلس الإدارة، ورغم ذلك مضت شهور لكي نحصل علي الموافقة، وقمنا باستعراض أنماط السكن في العالم كله، وعقدنا العديد من المحاضرات في كل منها أستاذ في التخطيط العمراني يحاضر عن أنماط السكن في بلد معينة وأساليب التمويل وأشكال المشاركة، ثم قمنا بعد ذلك بتشكيل مجموعة "وحدة" لمنطقة الشرابية وسألنا السكان تقدروا تدفعوا كام ونمط التقسيط الذي يفضلونه والمساحات وكل التفاصيل، وقمنا بإعداد النماذج، هذه التجربة كانت في عهد "عمر عبد الآخر" محافظ القاهرة السابق وقد وعدنا آنذاك بقطعة ارض نقيم عليها نماذج عملية، وبدأنا في مراسلة المؤسسات الدولية لكي نعمم التجربة، لكن جمعية الإسكان والمستقبل استحوذت علي كل الجهود وانسحبت عن كل التنظيمات الأخرى، وأصبحت الجمعية شبه ميتة. القضية الحقيقية كما أوضح الدكتور محمود هي اختلاف وتعدد الأنماط، فداخل منطقة العشش الواحدة، يمكن أن يتواجد أكثر من نسق . طبعا نحن لم نتحدث عن العشوائيات بمفهوم العمران والمتمثل في مناطق مزدحمة وخالية من المرافق، وفي هذا السياق أريد أن أشير إلى قضية أخطر هي الإسكان الشرك، فحتى تعداد 1986 كان هناك 1.2 مليون أسرة في الإسكان الشرك، أي قرابة خمسة مليون فرد، طبعا مع التعداد الأخير وزيادة النمو السكاني، فإن هذا العدد لابد وأنه تضخم. القضية في الحقيقة غائبة عن الناس، نحن نتحدث عن العشوائيات ولكن قضية الإسكان الشرك لا يتناولها أحد في حلول عملية. بالنسبة لي ومن خلال موقعي الصحفي، وعندما رأيت تجربة Solidair في لبنان، كان رأيي أنها نموذج إيجابي يمكن الاستفادة منه، وقد أثيرت هذه المسألة في مؤتمر رجال الأعمال المصريين-السعوديين،ولأن الشيخ صالح كامل كان له دور في تمويل Solidair فقد طرح نفس الفكرة وصدرت الجرائد بخبر يحدد رأس مال الشركة بحوالي 500 مليون دولار، وبدأ الكلام عن انهم علي وشك حصر السكان في بعض المناطق، ونقلهم لأماكن جديدة لكن نتيجة لخلافات بين بعض الرؤوس الكبيرة "الحيتان" بمنطق "إن محدش ياكل الفطيرة لوحده"، فشلت هذه المسألة. البنك الأهلي أيضا نظر لموضوع عشش الترجمان بشكل اقتصادي، المنطقة حيوية ولو تم هدمها وإعادة تخطيطها فإن سعر الأرض في المنطقة يضمن أرباحا هائلة. الحقيقة اجتهدوا للغاية وتم إجراء اكثر من مناقصة في محافظة القاهرة، ولكن الحيتان رفضوا مجددا، عرقلوا المسألة، فتوقفت. ما أريد قوله أن هذه المناطق شبعت كلام والناس ملت وتطالب بحلول عملية أما بالنسبة لموقف الدولة، فأنا شخصياً أؤيد انسحابها، ولا أؤيد الحلول التي طالبتم بها أثناء النقاش، وفي الحقيقة فأنا أختلف معكم كلية، فمطالبتكم بدولة مسئولة عن الاستثمار والإنتاج والتوظيف ستؤدي لخلق مجتمع اتكالي، مجتمع له نمط غير تنموي، يكرس نفس الأزمات التي نعانيها حاليا، فعلي سبيل المثال وطبقا للإحصائيات المتوافرة فإن هنالك حوالي 5.50 مليون موظف في مؤسسات وأجهزة الدولة المختلفة وتلك الأخيرة في إطار سعيها لحل تسعي لاستيعاب حوالي 170 ألف شخص آخر كموظفين حكوميين، أي أن قرابة 40% من إجمالي العمالة موظفين لدي الحكومة -طبقا لتصريح رئيس الوزراء د. عاطف عبيد- بالطبع هذا الإحصاء يضم العاملين في الشرطة والجيش. ما أريد التأكيد عليه أننا لو رجعنا لهذه الحلول سنكرس أوضاعا لن تتماشي مع العولمة، ومع المنافسة الموجودة، لا مع جنوب شرق آسيا ولا مع غيرها، مع الشراكة الأوروبية التي وقعناها أخيرا، والاتفاقيات التي نسعى لتوقيعها والجات التي سيحل موعد تنفيذ كافة بنودها واشتراطاتها بعد أربع سنوات. إنني أعتقد في ضرورة التعامل مع الواقع، ذلك الواقع الذي يشكل القطاع الخاص جزءا منه، فليس كله سيئا بل هنالك العديد من النتائج الإيجابية التي يمكن تحقيقها من التعامل معه، فإذا ما كان مشروع إسكان زينهم -علي سبيل المثال- قد تم تنفيذه لأغراض دعائية أو لحرم الرئيس، فهو في النهاية جهد تم ولو حاولنا تكراره لعاد بالفائدة علي فئات عريضة. إنني أعرف العديد من التشوهات الموجودة، هؤلاء الذين نهبوا فلوس البنوك وغيرها، لكن القطاع الخاص حافل بالأسماء، طلعت حرب، سيد جلال، بنك مصر والإنجازات التي يجب تشجيعها كذلك، نعم الجمعيات الأهلية ميتة وضعيفة، ولكن هل سنستسلم أم نبحث عن بعض الحراك، بمعني آخر ،وأرجو المعذرة، الناس تعودت وشبعت من تلك الجلسات، نجتمع ونتناقش ونتكلم في التعريف ونطلع بتوصيات وكل واحد فينا قاعد في جو مكيف "يشرب ويروح" ما هي الاستفادة العملية من مثل هذه الندوات والمناقشات، إنني أؤكد مجددا أننا لو توصلنا لشئ عملي من هذه الجلسة يستفيد به ساكن واحد في إحدى العشش أو إحدى المناطق المتعددة في القاهرة أو غيرها يبقي فيه إضافة عملية . وشكرا جزيلاً. عصام فوزي: شكراً للأستاذ ممدوح الولى، لكن من المهم التأكيد علي أن هذه الجلسة، جلسة علمية تسعي لطرح اقتراحات وصياغة تصورات بغرض التوصل لحلول، ومجرد المعرفة بهذه الظاهرة هو نقطة الوصول . شكرا على الكلمة وننتقل للأستاذ: صفوت فضل الله صفوت فضل الله في البداية أود الإعراب عن سعادتي بالحوارات التي استمعت إليها، ولكن ورغم ذلك أرجو أن تسمحوا لي بالاختلاف معكم قليلا، فأنا لست أكاديميا، أي أني لا أمتلك الدراية العلمية الكافية، لكنني أعمل في إحدى المناطق العشوائية وأحمل همومها، والحقيقة وعلى الرغم من أنها مناطق عشوائية إلا أنها أو بالأحرى العمل بها في غاية الإمتاع، حيث يسعى الجميع للعمل والمساعدة للارتقاء بهذه المناطق. لقد أشار الدكتور محمود الكردي إلي أن الجمعيات ليس لها جوهر أو عمل حقيقي، لكنني أزعم أن هناك اختلافات حقيقية علي هذا الحكم القاسي، فالهيئة التي أعمل بها علي سبيل المثال وهي الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، عمرها خمسين سنة، وقد نشأت في المنيا وعمرها في القاهرة حاليا 20 سنة، والهيئة تعمل في ثلاث مناطق على حسب التقسيم الحكومي في القاهرة، شمالية وجنوبية(1) وجنوبية(2)، الشمالية تضم الشرابية، الزاوية ،روض الفرج والمناطق المحيطة بهم، الجنوبية(1) تضم السيدة زينب ومصر القديمة والخليفة، الجنوبية(2) تشمل دار السلام وعزبة خير الله. ونحن نعمل في كافة مجالات التنمية، تعليم، صحة، بيئة، تنمية اقتصادية ، وهناك طريقتين للعمل حيث توجد قطاعات عديدة في الهيئة، لكننا قطاع التنمية وهو غالبا أهم قطاع في الهيئة. قطاع التنمية هو الذي يهتم بالفئات المهمشة في المجتمع، وطريقتنا مختلفة عن أية هيئة دولية تعمل في نفس المجال، فهذه الهيئات غالبا ما يكون عندها برامج جاهزة وتسعي لتطبيقها، "عايزة تصرف شويه فلوس وتجيب غيرهم"، نحن نختلف قليلا عن ذلك، نحن نعمل بشكل أعتقد أنه جاد، وأول طريقة للعمل تتمثل في محاولتنا للمساعدة في خلق مظلة للجمعيات الضعيفة، حيث نسعى لعقد دورات تدريبية لها، وتشكيل مجلس إدارة قوى بحيث يستطيع ممارسة دوره كما نحاول غرس مفهوم الشفافية، ذلك المفهوم الذي يصعب أن تجده في جمعيات أهلية كثيرة، "بتحاول تأخذ فلوس وخلاص وتصرفها في أي غرض، ومعندهاش أي بنود للصرف، ومعندهاش الرغبة في أنها تشتغل، الجمعيات معمولة بس على الورق، بس علشان تفتيش الشئون الاجتماعية"، إلا أن ذلك لا ينفي وجود جمعيات حقيقية وجادة ونحن نحاول مساعدة هذه الجمعيات علي توفيق أوضاعها بالشكل الذي يسمح لها بالعمل الجاد والمثمر. ومع ذلك فأنا في الحقيقة لم أعمل مع الجمعيات، لقد عملت مباشرة مع الناس، وهذا ما نسميه التنمية بالمشاركة. وهى تعتمد على أن نقيم في المنطقة وفي نفس الوحدات السكنية، حيث نقوم بتكوين فريق يقوم بدوره بتقسيم المنطقة، فعلي سبيل المثال قمنا بتقسيم "زينهم" إلى مناطق حسب الحواري الموجودة، أو عدد البلوكات وكان كل فريق مكون من موظف أو موظفة يحاول التعرف على البيوت علي الطبيعة، ثم بعد ذلك يحاولون التعرف علي القيادات الطبيعية والمتميزة وتجميعهم في هيئات أو تكوينات تطوعية وتعليمهم أساليب العمل واستراتيجياته، وقد أثمرت هذه الطريقة ففي الشهر الماضي قام هذا التكوين بإشهار جمعية أهلية. وهذه الطريقة فعالة وصحيحة لأنها ترتكز علي القيادات الطبيعية والعفوية في المنطقة وتخلق تكوينات قادرة علي مباشرة تنمية المنطقة بشكل دائم، "لان احنا مش هنقعد لهم علي طول". والحقيقة منطقة زينهم فيها كل يوم قصة وكل يوم حكاية، ونحن نري العجب في هذه المنطقة، فمنطقة زينهم من المفروض أنها طبقا للتوجه الحكومي أو كلام الجرايد، ثلاثة مناطق، المنطقة الملاصقة للهلال الأحمر، وقد تم تطويرها عندما أتت السيدة سوزان مبارك لافتتاح مبني الهلال الأحمر، المنطقة كان عمرها نحو خمسين سنة، عبارة عن أكشاك خشبية تم تسليمها عن طريق الحكومة "اسمه كده كشك خشب" مساحته حوالي ثلاثة في ثلاثة، هذا بالطبع كان قديما، لكن بعد ذلك تباينت المساحات واختلفت أنماط البناء، ومع ذلك ظلت الأكشاك متواجدة. الحقيقة المنطقة كان فيها ما لذ وطاب، والسيدة سوزان مبارك عندما رأت المنظر وما يحويه من قبح أصدرت أوامرها بضرورة إزالته، والحقيقة أنه كان قرار سريع جدا، فتم تكليف لجنة من وزارة الشئون الاجتماعية بإجراء دراسة، وبالطبع كانت الدراسة مستعجلة، لآن القرار كان سريع والنتيجة بالطبع مشاكل عديدة وحرجة، فعلي سبيل المثال تم تسليم أشخاص شقق بديلة في النهضة بدون وجه حق. لقد تم تسليم وحدات سكنية بديلة في مثلث حلوان وفى المقطم وغالبا جزء من النهضة، وفي المقابل تمت إعادة تخطيط منطقة زينهم وفي الحقيقة فقد تم تصميمها بشكل خرافي، منتجع سياحي حقيقي 60% مساحات خضراء و40% مباني. لكن كانت هناك العديد من العيوب في المشروع، من أهمها أن السكان الذين تم نقلهم لم تكن تدرك هل ستعود إلي المنطقة أم لا. فيما يتعلق بنا كان عملنا في مجمله يعني بالبعد التنموي، حيث سعينا لتحسين أوضاع الإقامة في الغرف، فكان هناك برنامج عبارة عن منح لا ترد، لمساعدة السكان في تبييض أو تبليط أو عمل سقف وتقوية جدران الغرف المقيمين بها. طبعاً الحمامات في هذه المناطق كانت معظمها مشتركة، لذلك كنا نقدم منحة للساكن لمساعدته في إقامة حمام خاص -لم نكن نقدم هذه المنحة إلا بعد الانتهاء من إقامة الحمام ورؤية الفواتير الخاصة بالإنشاءات ومعاينتها عبر لجنة مختصة من الهيئة- لآن هذه المسألة كانت تتسبب في مشاكل فظيعة ففي كثير من الأحيان كانت كل 16 أسرة تستعمل حماما واحدا، حمام مساحته متر X نصف متر، فحاولنا إقامة حمامات قبل أن تتم إزالة المساكن، وكان غرضنا من ذلك توفير سكن مؤقت للناس، لكن عندما تمت إزالة هذه الغرف/الأكشاك تصورنا أن المشكلة برمتها في طريقها للحل، لكن كما أشرت كانت هناك عيوب كثيرة في المشروع، من بينها أن عدد الأسر التي تم نقلهم بلغ 900 أسرة بينما بلغ عدد الأسر التي رجعت حوالي 347 أسرة، لم تكن هناك قواعد معينة للنقل والتوطين وإعادة التوطين. كانت هناك تصورات عن القواعد مفادها أن المسموح بعودتهم هم الغير مسجلين خطر والمعوقين، أما الآخرين فلم يكن مسموحا بعودتهم. ورغم ذلك فكثيرا ما كان يتم اكتشاف أن العديد من السكان قد قاموا ببيع وحداتهم السكنية، "لأنه كان قاعد في وسط البلد راح مثلث حلوان، شغال في وسط البلد، أولاده في المدارس، كل الرزق والظروف، يعنى حوالي 25-30 سنة موجود في المنطقة، لما يتنقل لمثلث حلوان، قهر بكل المقاييس، مثال علي ذلك موظفة في مركز شباب زينهم لا يزيد راتبها الشهري عن90 جنيه أصبحت مضطرة لتحمل نفقة الانتقال من حلوان لزينهم وبالعكس يوميا، لقد كان هناك العديد منهم يبكون فعليا، "مش قادرة تسيب الشغل لكي لا تصبح عاطلة وفى نفس الوقت بتصرف أكثر من 90 جنيه مواصلات. من ناحية أخري عندما تم الانتهاء من مشروع زينهم وتمت إعادة السكان، رفضت الجهات المسئولة تمليكهم الوحدات السكنية الجديدة، وأعطتهم عقود إيجار مؤقت لمدة خمس سنوات، وهو ما أدي بالطبع لتذمر السكان وزيادة إحساسهم بعدم الأمان أو الاستقرار، في الحقيقة الناس سواء في الذهاب أو في العودة كانت مرهقة ومستنزفة ومفتقدة للأمان بشكل كامل. بالإضافة لذلك حدثت مشكلات كثيرة، تساؤلات حول معايير التسليم والأولوية، وذلك فضلا عن الطريقة المهينة التي تم اتباعها في تسليم الوحدات السكنية، حيث تم التسليم بالاستعانة بقوات خاصة وأمن مركزي، وقد كانت هناك مشاكسات كثيرة نظرا لرفض السكان مغادرة المكان، فعلي الرغم من الإجهاد والمعاناة التي كانت تواجهها في سكنها، إلا أنهم تمسكوا به نظرا لارتباطه برزقهم، فضلا عن ارتباطهم بالمنطقة ومدارس الأطفال، باختصار ارتباط حياتهم في مجملها بالمكان. أيضا ساهمت المعاملة المهينة التي تعرضوا لها في حلوان في زيادة تذمرهم، حيث كانوا عرضة للعديد من المضايقات والضغوط الأمنية، فنتيجة لمجيئهم من مكان موبوء كانوا مشتبها بهم علي الدوام، "فدائما ما كان بوكس الحكومة موجود، وكل اللي نازل من العمارة كان بياخده لقسم الشرطة" وهذا الكلام سمعته من الناس شخصياً. المناطق الأخرى التي نعمل بها حاليا هي شرق الخزان وغرب الخزان، فمنطقة زينهم يوجد بها خزان هائل تم إنشاؤه لتغذية قسم كبير من القاهرة، هذا الخزان منذ تمت إقامته لم يعمل لأنه اتضح أن به عيوب في المباني وشرخ لأن بنائه تم على ارض عالية، وغالبا حدث هبوط في الأرض، هذا الخزان يدعي نادي شباب زينهم ملكيته لأن بنائه تم على أرض تتبع له، المهم شرق وغرب الخزان، نحن حاليا نعمل في المنطقة التي تعتبر شرق الخزان ونحن نعمل بها منذ عام 1994 تقريبا. وقد غطيناها كلها من ناحية التنمية بأبعادها المختلفة، عيادات للأطفال وعيادات للحوامل وتنظيم أسرة وتوعية وتحسين بيئة وحملات علاجية مختلفة الأنواع، والناس هناك تحس بوجودنا لأننا لا نطرح برامج جاهزة عليهم، ولكن نتعرف علي المشكلات في البداية ثم نحاول حلها، وقد ترتب علي ذلك علاج العديد من المشاكل وتحسين نوعية الحياة بدرجة ملحوظة. هذه المنطقة يرجع تاريخها إلي عقد السبعينات وقد تم تسليمها من قبل الحكومة، لأنها أساساً ،في الأصل، لم تكن عشوائيات، بل كانت عبارة عن منطقة خالية، كانت حدائق ليمون، وكانت الحكومة في حاجة لإقامة مساكن إيواء مؤقت للمواطنين الذين تعرضوا للإخلاء الإداري، ومن ثم قاموا بإقامة هذه المساكن، كانت في البداية عبارة عن غرفة وصالة بدون سقف وبدون مياه وبدون صرف صحي ودورات مجمعة، دورة مياه للسيدات ودورة مياه للرجال، وقد قامت الحكومة بإعطاء السكان عقد إيجار، عقد إيجار مؤقت لمدة سنة، وإلي الآن ما زال العقد معهم، "يعنى هاتقعدوا هنا سنة وبعد كده هاننقلكم لما نشوف سكن بديل، طبعاً السنة لسه مخلصتش"، بالطبع تلك المباني لم تظل علي حالها بل شهدت تغييرات كثيرة، ففي مرحلة لاحقة قامت الحكومة ببناء وحدات سكنية أخرى أطلقوا عليها اسم الأربعات، عبارة عن أربع غرف في مبنى واحد ويتم تسكينها بواقع غرفة لكل أسرة، وأقاموا دورات مياه هذه المرة، وقسموا هذه الوحدات علي أساس أن كل أسرتين لهم دورة مياه، أي أن كل غرفتين لهم دورة مياه ، وطبعا أكثر المشاكل موجودة في الاربعات، مشاكل بمختلف أنواعها، سواء دعارة، إدمان، تجارة مخدرات، وطبعا وجود أربع اسر في حيز واحد يستخدمون حماما يفصل ما بينهم وبينه حائط غير مكتمل "مش جايب لآخر السقف" يتسبب في مشكلات كثيرة ومتكررة. من ناحية أخرى شهدت هذه الوحدات العديد من التعديلات والتجاوزات، فبعض من استلموا هذا السكن قاموا ببيعه، ومن قاموا بالشراء أخذوا في بناء غرفة أخري تلتها غرفة وهكذا، والنتيجة أنه لم يعد من الممكن معرفة السكن الذي تم تسليمه من قبل الحكومة، ففي البداية كانت هناك غرفة وصالة ثم أصبحت ثلاث غرف بجوار بعضهم، وبعض السكان لم يكتفي بذلك فشرع في بناء غرفة من هنا وغرفة من هناك ثم قام ببناء دور ثاني وثالث وهكذا. كان هناك أشخاص تسلمت الأكشاك العلوية وهى من الناحية الثانية من الخزان، كشك خشب، هذه الأشخاص تمتلك حاليا خمس شقق، فقد كانت هناك مساحة خالية حول الكشك ومن ثم فقد شرع في البناء دون أن يعترضه أحد، هذه الأمثلة كثيرة حيث يقوم بعض الأشخاص بالاستحواذ علي المساحات الخالية والبناء عليها حتى ولو كان هناك آخرين في حاجة ماسة لها. طبعاً هذه ليست نهاية المطاف، فالصعايدة علي سبيل المثال لهم جزء مخصص هناك، في منطقة أعلي قليلا، وقد استحوذوا علي قسم كبير للغاية من المنطقة، هذه المنطقة لم يكن بها مساكن علي الإطلاق كما لم يكن بها أكشاك، والأغلب أنهم زحفوا من تلقاء ذاتهم وشرعوا في البناء في المناطق الخالية، ابتدئوا ببناء أكشاك خشبية وطوروها بعد ذلك لغرف مبنية وبعد ذلك من لديه قدرة مادية قام ببناء غرفتين وصالة، وهذه المنطقة من أسوأ المناطق، فهنالك مساحات لا تتجاوز متر X متر ونصف، ويقيم بها شخص أو شخصين أو ثلاثة، وهناك وحدات أخرى لا تتجاوز مساحتها 3أمتار X 3أمتار ويقيم بها نحو عشرة أشخاص "معليين السرير شوية علشان العيال يناموا تحت وجزء ينام فوق"، طبعا الغرفة غير صالحة بتاتا للسكن وهما في الحقيقة عندهم قوة للتحمل أكثر من الآخرين، فهم يتحملون هذه المعيشة دونما مشاكل، فعندما كنا نحاول مساعدتهم لتحسين نوعية الغرف التي يقيمون بها كانوا يرفضون. من ناحية أخرى ساهمت ظواهر عدة في مفاقمة الأوضاع السيئة في هذه المنطقة من بينها، أو في مقدمتها الإجرام، ففي هذه المنطقة توجد أشخاص متخصصة وترتزق من الأوضاع القائمة، "فهناك ناس متخصصة لما تدخل المنطقة تقول أنا عايز سكن يقولك عاوزه فين، مثلاً في المنطقة دي، يقولك خلاص تعالي بعد بكره خد اوضة في المنطقة دي وهات 500 جنيه، ويروح باني أوضة في أي منطقة هو عاوزها ويقولك خلاص الأوضة دي بتاعتك". وعندما تم تسليم المساكن للمنطقة العليا، تم تسليم كل شاغر غرفة شقة بدلا منها، زادت هذه التحايلات، فمن ناحية ارتفعت أسعار الغرف، علي أساس أن هذا الشخص أو الأسرة سيتسلم شقة بدلا منها في يوم من الأيام، ومن ناحية أخرى بدأت هذه الأشخاص أو بالأحرى العصابات تفرض علي الباحثين عن غرف التوقيع علي إيصال أمانة على بياض لإلزامه بتسليم الشقة التي ستخصص له مستقبلا لهم. نتيجة لذلك هنالك أشخاص أصبح من حقها استلام 300 شقة في المنطقة وأسر بكاملها في المقابل لا حول لها ولا قوة تتخلى عن حقها مقابل الحصول علي غرفة عاجلة يقيمون فيها. هذه الأوضاع أدت لارتفاع سعر الغرف بشكل هستيري، حيث وصل سعر الغرفة لنحو 3000 جنيه، أحيانا يتم تشييدها من الخشب الحبيبي، بالطبع كل خامة ولها سعرها، "عاوز خشب حبيبي وأنت تبنيها لما تفرج معاك تعملها طوب، مش مشكلة"، هذه الظاهرة تفاقمت بشكل مبالغ فيه علي مدار السنوات الأخيرة، وأحد أسباب تفاقمها القرارات والتصريحات المتضاربة التي تصدر من كل من الحكومة ووزارة الشئون الاجتماعية، فعلي سبيل المثال كانت هناك تصريحات في الجرائد أن الحكومة ستشرع في تنفيذ مرحلة ثانية للتسكين الدائم في المنطقة مثلما حدث في المنطقة المجاورة للهلال الأحمر، حدث ذلك في الوقت الذي كنا نسعى فيه لتطوير المنطقة، في هذا الوقت كنا توصلنا لاتفاقية للتطوير مع بنك التعمير الألماني K.S.W، وبالفعل بدأنا في وضع الخطط والتصورات وأشركنا السكان لكي نتلافي كافة العيوب، فقمنا بتكوين لجان ومجموعات شعبية، "ناس تفكر في البيوت وناس تفكر في الوضع القانوني آيه المستندات المطلوب تقديمها" البنك بالفعل كان موافقا علي توقيع بروتوكول بينه وبين كل من الحكومة والهيئة الإنجيلية، لكن لما صدرت التصريحات عن نية الحكومة إعادة تخطيط المنطقة توقف كل شيء، " الناس مش عارفة واحنا مش عارفين الحكومة هاتاخد المنطقة دي ولا المنطقة دى"، لقد تم إجراء أكثر من حصر والناس هناك تعيش في قلق دائم وبشكل لا يمكن لأحد أن يتخيله، فلا يكاد يمر شهر دون ظهور شائعات جديدة، وأحيانا ما تكون من الشئون الاجتماعية، نحن مازلنا نكافح لكي يتم تنفيذ المشروع، ولكننا لا ندري هل سيتم عبر مساهمتنا أم علي طريقة الحكومة، لكن لو أخذوا جزء من المنطقة فسنقوم نحن بإعادة تخطيط وبناء الجزء الباقي مع بنك التعمير الألماني وشكرا وأعتذر عن الإطالة. عصام فوزي: شكرا للأستاذ صفوت فضل الله، والآن سنقوم بفتح باب الحوار، وهنالك في البداية تعليق للأستاذ باهر باعتباره صاحب الورقة الخلفية. باهر شوقي: في البداية أود الإشارة إلي التباس واضح في التعاطي مع الورقة الخلفية، وبالتحديد فيما يتعلق بإشكالية انسحاب الدولة، الالتباس تمثل في المطابقة ما بين انسحاب الدولة ونشأة العشوائيات وهو تصور لم تطرحه الورقة أو تتبناه، بالطبع هناك علاقة عضوية بين المعاملين (انسحاب الدولة/العشوائيات) ولكنها علاقة إتجاهية، إذا جاز التعبير، فالانسحاب يؤدي لتفاقم الظاهرة لكنها لا يخلقها، فهي موجودة علي الدوام باعتبارها ناتج/تشوه عضوي للنمو الرأسمالي، لقد استفاض الدكتور على فهمي مشكوراً في التأكيد علي أن العشوائيات ليست ظاهرة جديدة وأنها ترجع في نشأتها إلي بداية الدولة المركزية الحديثة، بل وربما لتاريخ الفتح الإسلامي. وحتى إذا ما عدنا لمصر الحديثة، أو بمعني آخر مصر الخديوية، فسنكتشف أن وجود العشوائيات في القاهرة كعاصمة قد ارتبط عضويا، علي سبيل المثال، بمشروعات إسماعيل باشا لتحديث وفرنسة العاصمة حيث تم نقل وإعادة توطين أعداد كبيرة من السكان لتنفيذ مشروعه لتخطيط القاهرة، ما أود التأكيد عليه أو بالأحرى توضيحه أن انسحاب الدولة يؤدي لتفاقم الظاهرة ولكنه لا يؤدي لخلقها، ما يؤدي لخلق ظاهرة العشوائيات هو نمط التنمية المتبع في حد ذاته، نمط التنمية السائد، فالنماذج التى أشار إليها الأستاذ ممدوح الولي علي سبيل المثال في إطار استعراضه لأهمية القطاع الخاص والتنمية في مصر في بدايات القرن العشرين، طلعت حرب وبنك مصر وغيرها، هي التي أدت لنشأة المجتمعات العشوائية والهامشية، سواء في شبرا أو في كفر الدوار وغيرها، فهذه المناطق ظهرت بالأساس كأماكن لتسكين الفلاحين المعدمين الذين لفظتهم الأرياف، وبدأ استيعابهم داخل القطاع الصناعي الناشئ وبالتحديد قطاع النسيج، فاختيار هوامش المدن لتوطين هذه الجموع لم يتم جزافا أو عرضا، ولكن بناءا علي محددين أساسيين، الأول اقتصادي ويتمثل في انخفاض تكلفة التوطين في هذه المناطق نظرا لافتقارها للبنية الأساسية والمرافق، والثاني أمني، فالهامش يحوول دون انتقال تمردات أو تذمرات هؤلاء الفلاحين/العمال إلي داخل العاصمة أو المدن الكبرى، كما يتيح إمكانية ضبطهم وحصارهم. لقد كانت العاصمة مرتبطة وعلي الدوام بنمط تنمية محدد، حتى أثناء المشروع الناصري، بالطبع كان حجم هذه الظاهرة اقل بما لا يقاس، بيد أنه لم يكن هناك مفهوم تنموي لهذا النظام، لأنه في النهاية نظام طبقي له تصوراته ومشروعه ويعاني من ضغوط المنافسة بشكل أو آخر، فحتى المجتمعات الصناعية اللي نشأت في عهده والتي كانت اكثر تخطيطا واكثر تنظيما، حلوان علي سبيل المثال، تعاني حاليا وبعد 40 سنة من نشأتها من تشوهات هيكلية، فمازالت هناك ولاءات أولية أو ثقافات فرعية بمعنى انتماءات جهوية وعصبية وعشائرية وإقليمية هي السائدة، فعندما نتحدث عن النسيج الاجتماعي لحلوان نتحدث عن رابطة أبناء المنوفية ، رابطة أبناء سوهاج ، رابطة أبناء قنا. ولم يحدث في الحقيقة تحضر واندماج واستيعاب مديني أو "قومي" ينهي أو يطور هذه الولاءات، وهو ما يصبح عرضة للتفجر في لحظات الأزمات الاجتماعية. المسألة في تصوري تتمثل في التفرقة ما بين انسحاب الدولة باعتبارها تؤدي لتفاقم الظاهرة وانسحابها بمعنى خلق الظاهرة، فهذه التفرقة هامة في تحديد إدراكنا لمفهوم الانسحاب. فما هو المقصود بانسحاب الدولة، ليس هناك دولة في العالم تنسحب، فعلى الرغم من أطروحات ميلتون فريدمان أو توماس فريدمان أو بالأحرى كل مروجي ومشعوذي العولمة حول انسحاب الدولة وتحويلها إلى دولة خدمات Service State or Garbage State "أي تحول الدولة إلي هيئة تجمع القمامة وتضعها في تنكات ويقتصر دورها علي ذلك" ليس هناك انسحاب حقيقي لأية دولة، الدولة تغير تحالفاتها الاجتماعية وتغير مشروعها الطبقي. الدولة في مصر لم تنسحب، فمن الذي يقوم بالاستثمار وتطوير البنية الأساسية لتسهيل انتقال العمالة للمدن الجديدة ؟، من الذي قام باستثمار قرابة 400 أو 500 مليار جنيه وفقا الخطاب الرسمي علي مدار العقدين السابقين ؟ لمن تصاغ هذه المشاريع ؟ وكيف يتم تخصيص الموارد وعلى حساب من ؟ الزبالين الذين تم نقلهم من ارض اللواء لكي يتم تنفيذ مشروع المحور، نقلوا بواسطة من ولمصلحة من ؟. هذه مشاريع تنفذها الدولة وبأموال الدولة، الموارد السيادية والضرائب التى يدفعها الجميع إلا أن القسم الأكبر منها يتم إنفاقه لحساب فئة اجتماعية بعينها، الدولة لا تنسحب الدولة تغير آلياتها تتنازل عن شطر من استقلاليتها النسبية تحت ضغط الطبقة أو الشريحة السائدة وتحت ضغط ظروف المنافسة الدولية وهذا يأتي على حساب شرائح وفئات اجتماعية بعينها، في هذا السياق يمكن إدراك مفهوم انسحاب الدولة، علي الأقل هذا التصور هو ما تتبناه الورقة الخلفية. الجزء الاول|| الجزء الثاني|| الجزءالثالث|| الجزء الرابع|| الجزء الخامس|| الجزء السادس |
3أ شارع محمد حجاج من شارع محمود بسيوني - ميدان عبدالمنعم رياض - الدور الثالث شقة 17 .تليفون : 5744428 / 5781003 فاكس : 5744428 بريد الكتروني : egypt@echr.org تصميم : جمال عيد |