|
|
المركز المصري لحقوق السكن |
|
العشوائيات والعنف الاجتماعي
الجزء الاول||
الجزء الثاني||
الجزءالثالث||
الجزء الرابع||
الجزء الخامس||
الجزء السادس
أستاذ باهر: لدي بعض التعقيبات السريعة، أولا أن الغرض الأساسي للورقة هو إثارة النقاش، وليس هنالك بالضرورة ما يلزم بتبنيها قاطبة، وإن كان ذلك لا ينفي بالطبع وجود رؤية أو تصور تحمله الورقة، فكما أنه لا يوجد خطاب بدون سلطة، فلا يوجد نص دون أيديولوجيا.بناءا علي ذلك لدي بعض التعقيبات السريعة، لقد أشار الدكتور عبد القوي في بداية كلامه إلي أن ضبط المناطق العشوائية وإدخال المرافق وإدماج القاطنين بها، يحتاج إلى مئات المليارات، والدولة المصرية في إحدى محاولاتها لتخفيض العجز في موازنتها العامة بدأت في تطبيق المرحلة الثانية والثالثة من ضريبة المبيعات لكي توفر مليارا ونصف المليار من الجنيهات مغامرة في ذلك بأمنها السياسي والاجتماعي، بل إن هذه الضريبة قد أدت لإثارة احتجاجات فئات تمثل تاريخيا ركيزة اجتماعية للنظام القائم وهي البرجوازية التقليدية أو التجارية، الدولة في عجزها تغامر بإثارة العاطلين وغيرهم، في ظل هذه الأزمة كيف يمكننا أن نتحدث عن وضع ميزانية لتطوير العشوائيات؟ هل تمتلك الدولة فعليا القدرة على تحمل ضغوط فئات وشرائح اجتماعية بعينها تملي عليها كيف تخطط وتوجه مواردها التقليدية؟ فالدولة تخصص عشرات المليارات للاستثمار في البنية الأساسية في توشكي، ثم تبيعها للوليد بن طلال بلا مقابل تقريبا، الدولة تستصلح سهل الطينة في شمال العريش ثم تحدد الحد الأدنى للتمليك بخمسة آلاف فدان، في النهاية نحن نتحدث عن التوجهات الاقتصادية/الاجتماعية للنظام القائم. لينين يقول أن الدولة "وكيلة أعمال الطبقة الحاكمة"، ذلك صحيح، لكنه لا يعني التطابق الكامل بين الطرفين، الدولة والطبقة المهيمنة، فهناك اختلاف ما بين الطرفين سواء فيما يتعلق بالتكوين الاجتماعي أو بالمصالح، فبالنسبة للدولة فإن مصلحتها الأساسية هي الحفاظ علي وجودها واستقرارها وهو ما يجعلها تتخذ في بعض الأحيان قرارات وسياسات تتناقض مع مصالح الطبقة المسيطرة، هذا هو ما يسميه بولانتزاس بالاستقلالية النسبية للدولة، إلا أن ذلك بدوره يفترض توازنا طبقيا بعينه، مستوي من التبلور الطبقي للفئات والشرائح المقهورة يمنع ويحمي الدولة في الوقت ذاته من الاستسلام الكامل لضغوط الرأسمالية الحاكمة، حاليا نحن نعاين تشكيلة اجتماعية تتفكك وتنهار، التوازن الطبقي الذي ساد إبان الحقبة الناصرية اختل إلي حد بعيد، وربما كيفي، الفئات والشرائح الاجتماعية التي كانت تمثل قواعد شعبية حقيقية لهذا النظام، البرجوازية الصغيرة والطبقة الوسطي، تدهورت أوضاعها الاجتماعية والمعيشية بشكل حاد نتيجة للتغيرات التي لحقت بالمجتمع المصري علي مدار العقود الثلاثة الماضية، تفتتت، ضعفت، وتراجع تمثيلها بدرجة حادة داخل كل من جهاز الدولة والبيروقراطية المدنية والعسكرية، وهو ما أدي بداهة لتراجع قدراتها وآلياتها على الضغط علي النظام القائم أو المشاركة في توجيه وتخصيص الموارد. بالتوازي مع ذلك هناك ضغوط متزايدة من قبل كل من الرأسمالية المحلية والرأسمالية العالمية وهذه الضغوط هي التي تحدد سياسات وتوجهات الدولة، هو الذي يحدد تخصيص قرابة 500 مليار جنيه من أجل الاستثمار في توشكي، في مجتمع رغم الدعاية الرسمية تؤكد دراسات الجدوى "الجاد منها علي الأقل" محدودية قدراته الاستيعابية، والتي لن تزيد عن عشرات الآلاف في أحسن الأحوال، في نفس الوقت الذي تقلص فيه الدعم وتزيد الأعباء الضريبية علي كاهل الفئات والشرائح المفقرة. الإشكالية الحقيقية، مجددا، ليست وجود دراسات أو استراتيجيات للتعامل مع الأزمات الاجتماعية المتفاقمة التي يزخر بها الواقع المصري ومن بينها أزمة العشوائيات، ولا حتى، ربما، أزمة توفير الموارد اللازمة، الإشكالية الحقيقية هي معايير توجيه وتخصيص الموارد المتاحة، فما الذي يضمن تنفيذ هذه الإستراتيجيات، ما الذي يضمن تجسير الفجوة بين الخطاب الرسمي أو المعلن والواقع الفعلي. ثانيا وفيما يتعلق بالخلط المنهجي الذي ورد أثناء المناقشة بين مفهومي التنمية والنمو، أود أن أوضح أن التصور الذي تبنته الورقة يربط ما بين نشأة وتطور الرأسمالية في الواقع المصري وبزوغ وتفاقم ظاهرة العشوائيات، فالتنمية عملية ديالكتيكية وليست خطية أو تراكمية كما يصورها مفهوم النمو، الأمر الذي يجد تفسيره في عمليات الإزاحة والتهميش القسري التي تنجم عن هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي والتي يفاقم منها التشوهات العضوية للرأسمالية المصرية ذاتها. من ناحية ثالثة وفيما يتعلق بالتساؤلات والانتقادات التي وجهت للمفاهيم المستخدمة، خاصة علي صعيد عد م انضباطها إمبريقيا، فإنني أود الإشارة إلي أن الورقة الخلفية قد تبنت تعريفا محددا، علي الأقل بالمعني النسبي، لمفهوم العشوائيات، لا يقتصر فقط علي البعد المكاني، وإنما يعتمد منظومة متكاملة من المحددات، من بينها غياب التخطيط العمراني، ضعف، وفي الكثير من الأحيان الافتقاد الكامل للمرافق والبنية الأساسية، تدني مستويات المعيشة والمهارات المهنية والحرفية، السيادة النسبية لأنماط العمل الارتزاقية، خاصة تلك المرتبطة بالاقتصادين غير الرسمي والأسود، إضافة إلي الغياب الأمني للدولة. وهي في ذلك لا تدعي الصياغة النهائية للمفهوم وإنما محاولة رصد محدداته كخطوة أولي لتحديد مفاهيميا ومنهجيا، وشكرا. أ: عبد القوي محمود: سأحاول أن اختصر قدر ما يمكن، ولكن في البداية أود التعليق علي المقولة الخاصة بتقلص دور الدولة، نحن نقول انسحاب الدولة وكلنا نعلم أننا نعيش في وقت تحولات كنا في مجتمع شمولي وحاليا هناك تغير ملحوظ باتجاه الديمقراطية، في الحقيقة إنني أندهش للغاية حين نتحدث عن الدولة بصيغة الغائب وكأننا نتحدث عن آخرين، نحن جزء من الدولة وكل هذا الكلام نحن مسؤولين عنه، هذه حقيقة لابد من ادراكها0 تقلص دور الدولة ظاهرة صحية في عصر العولمة لأننا لا نستطيع أن ننافس إلا إذا تقلص دور الدولة وتلك أوضاع مفروضة علينا "مش بكيفنا" على أن هذه الظاهرة صحية بشرط أن يقابل تقلص دور الدولة اتساع في دائرة نفوذ المجتمع المدني ومؤسساته، فالديمقراطية هي التحول من نظام شمولي تتولاه الدولة إلى تفاعلات سياسية ومدنية نحن مسؤولين عنها جميعا، علي هذا الأساس يجب تمكين المجتمع المدني ومؤسساته من القيام بدور فاعل، أما فيما يتعلق بتساؤل الأستاذ باهر عن كيفية تنفيذ استراتيجية التخطيط العمراني، على الرغم من أنها ستتكلف مئات مليارات، فإن الرد يكمن ببساطة في هذه الفكرة، المجتمع المدني سيقوم بدوره، كل فرد في هذه الدولة مسئول. الجمعيات الأهلية لابد وأن تكون على وعي، وينبغي أن يتم تمكينها من القيام بدورها وتولي مسئولياتها في مرحلة التخطيط والتنفيذ والمراجعة وخلافه. فعندما نقول أن هذه الخطة ستتكلف 220 مليار، "هي الدولة هتدفع 220 مليار، مش هتدفع" نحن حاليا في منشية ناصر نطبق نظام نطلق عليه "مجموعة المستفيدين" كتجربة، أي أنه مشروع إرشادي نختبره كي نطبقه في جهات أخرى، "بنجيب Estate Holders أو المستفيدين، حتى ولو كان تاجر مخدرات، ييجي ويقعد معايا، وعاملين مبني هناك ييجي يناقش ويخطط معايا، وينفذ التخطيط ويراقب التنفيذ" في هذه الحالة يصبح تقلص دور الدولة ظاهرة مطلوبة وصحية. إنما إحنا خايفين من انسحاب دور الدولة ليه؟ لأنها تترك فراغا من ناحية التنفيذ وفقا للرؤية التي يطرحها حضراتكم ولكن الدولة لا تنسحب كلية ولكن تقوم بدور إرشادي للمستثمر وللجمعيات الأهلية وكل القوى الموجودة في المجتمع المصري، ( مقاطعة: لماذا تضع نفسك موضع المدافع، ذلك ليس مطلوبا) لا ليس مطلوبا "أنا موظف كما أن90% من الناس موظفين نأخذ مرتبات من الدولة ونحن لا نريد أن نتبنى هذه الأدوار، في الحقيقة، أنا منبهر من سلوك كنا نمارسه في الستينات وهو قدرة إخواننا الأكاديميين علي التحدث بلغة راقية جدا ومعبرة جدا وتلمس المناطق الحساسة، ولكنني أريد أن أنبه إلى أن سر تراجع الأكاديميين والمثقفين في مصر انهم لم يتجاوزوا النظري إلي الواقع العملي، "إحنا عايزين منتهى التبسيط والبساطة، إحنا مشكلتنا عايزين نحطها على الترابيزة مش عايزين ننتقد ونتكلم ده إحنا ايدينا فيها، اقترح وانزل وخاطب ( مقاطعة: هنالك في الحقيقة العديد من الأمثلة المادية والعملية التي تم طرحها سواء في الورقة الخلفية أو إثناء التعليق) ما أريد أن أقوله أننا لسنا في حاجة إلى ذلك بقدر ما نحن في حاجة إلى امبريكال سوسيولوجي، "لكن نظريات وبروليتاريا ولينين، الكلام ده كله مايلزمناش معدش يأكل عيش". النقطة الأخيرة هي تلك الخاصة بالكلام عن الدين الوهابي، وما أود قوله هو أن كل الأديان لله، إذا عقدنا الأمور فهي تعقد بمعرفة ناس جهلة بالدين وهؤلاء الأشخاص مستهدفين بشكل من الأشكال، لكنهم في النهاية وبشكل من الأشكال أولادنا وكان يجب أن نبذل جهدا اكبر في توعيتهم وتقويمهم وليس قمعهم، لآن العنف يخلق العنف. المشكلة أن النظام الاجتماعي لم يعد قادرا على ملء الفراغ الثقافي والسياسي ويترك الفرصة لشباب صغير للإدلاء بدلوهم في ظل فراغات نحن مسئولين عنها، ولكن إذا تم توصيفهم كعدو وإذا تم تضخيم مسألة الجماعات الدينية وخلافه، فهي لا تعدو تثمين للعجل قبل ذبحه كما يقولون، ونجعل منه ضحية. هذه عشوائية ثقافية وهذه عشوائية اقتصادية واجتماعية، القضية اكبر من أن نستهدف واحدا بعينه، ولا ننسي أن مصر لها طبيعة خاصة وهى مستهدفة من الداخل والخارج كما تعلمون، هنالك مخطط يتم تنفيذه ونحن لنا دور في إحباطه، على الرغم من أن سذاجتنا تستغل وعلمنا أيضا يستغل، نحن نساهم في هذا المخطط عندما نروج لهذا الكلام ونعتبر نفسنا خصما لشخص آخر، هذا اخطر ما في الموضوع، القضية قضية كل مواطن شاب وطفل مصري. عصام فوزي: لي تعليق أخير، في جميع الندوات التي حضرتها كان هنالك دوما تأكيد على الجانب التكتيكي والبعد عن النظريات، وكنت أتمنى أن يؤخذ هذا الكلام فيما يتعلق بالورقة الخلفية ومداخلة الأستاذ باهر فقد ذكر العديد من الوقائع والأحداث مما يؤكد علي مراعاة بل وأوالية هذا البعد، أيضا فيما يتعلق بحديث حضرتك عن إفساح المجال للمجتمع المدني، كما لو كانت الدولة تعاني من تحول الثقة في المجتمع المدني، فلو حضرتك تذكر الضجة التى أثيرت حول قانون الجمعيات ومحاولات الدولة لخنق المجتمع الأهلي في مصر، إنني أتفق مع حضرتك حول وجود المجتمع المدني ودوره، لكن الدولة مصرة على أن تنسحب وتترك المقاعد شاغرة، قانون الجمعيات تمت صياغته ثم حدثت حوله مشكلة وأزمة مما يزيد من أهمية الإجابة علي سؤال البديل وآليات التنفيذ. المهم أعتقد أن الندوة والحمد لله قد مرت بشكل جميل واستفدنا جميعا وتم التعبير عن كافة الآراء وأتمني أن تتكرر هذه التجربة وأن نصبح جميعا أصدقاء المركز المصري لحقوق السكن والمتحدثين باسمه والي اللقاء وشكراً. النقاشات: علي الرغم من صعوبة اعتبار أيا من معاملي حلقة النقاش، "العشوائيات" و"العنف الاجتماعي" بالموضوعات أو الظواهر الجديدة علي الواقع المصري بشقيه الأكاديمي والإمبريقي، إلا أن النقاشات التي حفلت بها الندوة قد أفصحت عن وجود العديد من الاختلافات والتباينات بصدد إشكاليات ومفاهيم كانت تبدو للوهلة الأولي محل إجماع أو اتفاق، علي الأقل بالمعني النسبي، الأمر الذي شكل في حد ذاته مبررا لإثارة القضية وطرحها للنقاش، وفي هذا السياق برزت عدة إشكاليات استحوذت علي غالبية النقاشات وبلورت ما يمكن وصفه -تجاوزا- بمواقف متقاطعة وهي كالتالي: أولا: المفاهيم السوسيولوجية المستخدمة: حيث عكست النقاشات تباينا واضحا حول المقصود سوسيولوجيا بالعشوائيات، سواء أركيولوجيا أو فسيولوجيا، فنتيجة للانتشار والتوسع السرطاني للمناطق العشوائية والتي يتراوح عددها ما بين 1000-1200 منطقة علي امتداد الخارطة المصرية، بعضها علي هوامش المدن والمراكز الحضرية وبعضها في أعماقها، وتباينها من حيث ظرف وتاريخ النشأة، أثيرت العديد من التساؤلات حول المحددات أو السمات العضوية للمناطق العشوائية، فهل هي تلك المناطق والتجمعات التي نشأت علي أطراف المدن دونما أي تخطيط عمراني، أم أنها المناطق التي تدهورت عمرانيا، هل هي المناطق التي تفتقد منذ البدء للخدمات والمرافق الأساسية، أم المناطق التي تعاني من تدهور البني والخدمات الأساسية، هل هي المناطق التي تمثل تجمعات لموجات النزوح من الأرياف، أم تلك التي تمثل تجمعات لموجات الهجرة المضادة (من المدن والمراكز الحضرية كنتيجة للزيادة السكانية والمضاربات العقارية)، هل يعد وجود/غياب آليات الضبط الرسمية عنصرا محددا لتوصيف تجمع ما بالمنطقة العشوائية، هل تمثل التشكيلة الاجتماعية، بمعني الشرائح والفئات الاجتماعية، المستوي التعليمي، المهن والحرف السائدة، محددا أو عنصرا أساسيا في تحديد المناطق العشوائية. هذه التساؤلات وغيرها عكست الصعوبات التي تواجه ضبط مفهوم العشوائيات علميا وإمبريقيا وهي الصعوبات التي تعرقل بالتالي إمكانية وضع استراتيجية واضحة للتعامل مع هذه المناطق. من ناحية أخرى أثار مفهوم العنف بشقيه (العنف الاجتماعي-العنف السياسي) جدلا لا يقل عن ذلك الذي أثاره مفهوم العشوائيات، سواء فيما يتعلق بأنماطه (عنف ارتزاقي-عنف ثأري انتقامي-عنف أيديولوجي) أو من حيث اتجاهه وغايته (عنف موجه للخارج-عنف موجه للداخل)، وفي هذا السياق جابهت محاولة تفسير تباين أنماط العنف ارتكازا علي تباين/تغير الركائز الاجتماعية (الفئات والشرائح الاجتماعية القاطنة في العشوائيات) تحفظات عدة، فعلي الرغم من اعتراف الجميع بدلالة الإحصائيات الأولية المتوافرة والتي تؤشر لوجود علاقة عضوية ما بين العنف بشقيه (الاجتماعي "البلطجة"/ السياسي "العنف الديني") إلا أن انتشار ممارسات العنف والاحتجاج الديني علي اتساع الخارطة المصرية كان يصادر علي إمكانية ربطها جدليا بالعشوائيات وفي ذات الوقت يطرح ميكانزمات تفسيرية أخرى من قبيل الفقر والحرمان النسبي وغيرها. ثانيا: العشوائيات وإشكالية التنمية/النمو الرأسمالي: ففي مقابل الطرح الذي تبنته الورقة الخلفية لظاهرة العشوائيات باعتبارها نتاجا لتشوهات النمو الرأسمالي المتأخر تبلور اتجاه مغاير، تنموي يربط ما بين العشوائيات والنمو بالمعني الاقتصادي. عكس هذا التقاطع وجود منظورين مختلفين للتعامل مع الظاهرة العشوائية، أحدهما ديالكتيكي يري العشوائيات إفرازا طبيعيا للتنمية الرأسمالية المتأخرة التي تؤدي لخلق وتكريس فقر وتخلف الهوامش والأخرى خطية تطورية تري العشوائيات ناتجا عرضيا أو مرحليا في مسيرة التطور الاقتصادي. ثالثا: المدخل السيكولوجي وإشكاليات التأويل: ففي سياق محاولة صياغة علاقة أولية تفسر ارتباط العنف بالعشوائيات طرحت الورقة الخلفية تصورا جدليا حول تأثيرات البيئة المحيطة علي التكوين النفسي للقاطنين بالمناطق العشوائية. انطلقت هذه الأطروحة من تعريف واسع نسبيا للبيئة، لا يقتصر علي الأبعاد الاركيولوجية، وإنما يتعداها إلي مدي وطبيعة العلاقة بين التجمعات العشوائية والمدن والعواصم الإقليمية، أو بين الأطراف والمركز، تاريخ نشأة هذه العشوائيات، المهن والحرف السائدة، الثقافة المهيمنة وغيرها. علي أساس أن هذه الأبعاد كافة تؤدي لتبلور ما يسمي -علي الأقل بالمعني النسبي- الخصوصية السيكولوجية للعشوائيات وتولد أنماط متمايزة من العنف، فتراث النبذ والتهميش والتدخل الأمني المتواتر وانخراط شطر هام من سكان العشوائيات في مهن محتقرة اجتماعيا ومدانة أخلاقيا يؤدي لحفز طاقة العنف ورغبات الانتقام باتجاه المركز الذي يخلق هذه الفئات ويهمشها في الوقت ذاته، كما أنه يؤدي علي الصعيد الآخر لبلورة منظومة ثقافية وقيميه مغايرة ذات طابع براجماتي للتعايش مع نبذ وتهميش الخارج وتبرير ما تمثله أنماط الارتزاق، مثال الدعارة والسرقة والاتجار في المخدرات وغيرها من تحدي لمنظومة القيم السائدة، نتيجة لذلك يصبح المكان قيمة رمزية تفوق بما لا يقاس حدود الحيز المادي، فهو نطاق الاعتراف والقبول كما أنه نطاق الإحساس بالأمان. أثارت هذه الأطروحة العديد من الاعتراضات، تبلورت في معظمها في انتقادين، تمثل أولهما في واقع أن هذه الفئات لم تقطع صلتها كلية بالخارج، بمعني السياق الاجتماعي المحيط بها، فهي تنتمي له بمستوي من المستويات كما أنها تستمر في التفاعل معه بأشكال وأنماط مختلفة وبالتالي فهي تحمل سماته الجوهرية وأنساقه الثقافية والنفسية العامة، أما الانتقاد الثاني فقد تمثل في خلل التعميم نظرا لعدم التجانس الاجتماعي الذي يسم هذه المناطق أو التجمعات. من ناحية أخرى أشار التيار المعارض لأطروحة الخصوصية السيكولوجية إلي نقطتين هامتين تمثلت أولاهما في تأثير الخصائص الاركيولوجية للمكان علي سمات وصفات السكان "نحن نبني المكان والمكان يبنينا" فيما تمثلت الثانية في افتقاد سكان العشوائيات للحيز الشخصي Personnel Space بما يعنيه من افتقاد للخصوصية وانكشاف كامل للعلاقات والممارسات الحميمة. عكست هذه النقاط وجود قدر هام من الاتفاق ما بين وجهتي النظر، فالتسليم بدور المكان في صياغة الخصائص النفسية والشخصية للسكان والإشكالية التي تتمثل في افتقاد قاطني المناطق العشوائية للحيز الشخصي تؤشر بدرجة ما -علي الأقل- لتمايز أو خصوصية نسبية للقاطنين في هذه الأماكن، خصوصية، وليدة التفاعل الجدلي ما بين الاحتياجات والإمكانيات، ما بين شروط الاعتراف والقبول المجتمعي وضرورات الحياة، ما بين الأنساق الثقافية والقيميه السائدة وما تمثله أنماط الارتزاق من نقض لها . رابعا: العشوائيات والمسئولية الاجتماعية للدولة: في إطار مقاربتها لإشكالية العشوائيات أشارت الورقة النقاشية للعلاقة الجدلية ما بين طبيعة الدولة وتوجهها التنموي وتفاقم ظاهرة العشوائيات. فإذا ما كانت نشأة العشوائيات في حد ذاتها ترتبط بنمط النمو السائد فإن تفاقمها يرتبط بشكل وثيق بالرؤى والمفاهيم التنموية السائدة والتكوين الاجتماعي لجهاز الدولة. في هذا السياق أثارت النقاشات المفارقة النوعية المتمثلة في وضعية العشوائيات ما بين الحقبة الناصرية وما بعدها، فعلي الرغم من عدم حدوث قطع مع نمط الإنتاج الرأسمالي السائد، إلا أن هيمنة رأسمالية الدولة أثناء الحقبة الناصرية والطابع الشعبوى لخطاب النخبة الحاكمة قد انعكس إيجابا علي الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للفئات الاجتماعية الوسيطة والدنيا مما أدي لحصار الظاهرة والحد من تفاقمها. أما لاحقا ومع تدشين الانتقال إلي نمط الرأسمالية الخاصة مع بدايات السبعينيات وما ترتب عليها من انسحاب متتابع للدولة وتخليها عن شطر هام من مسئولياتها وواجباتها الاجتماعية (التوظيف-الدعم السلعي-تقلص الإنفاق علي التعليم والصحة والإسكان الشعبي) فقد تفاقمت الظاهرة واستفحلت إلي حد باتت تهدد معه الاستقرار القومي بالمعنيين الاجتماعي والسياسي. أثار هذا التصور العديد الانتقادات، حيث دافع عدد من المشاركين عن التوجهات الليبرالية للدولة منتقدين ما أسموه بالوعي التواكلي أو البطريركي، مدافعين عن ضرورة تشجيع المبادرات الفردية وإعطاء الفرصة للقطاع الخاص للمشاركة في التنمية باعتبارها الوسيلة الوحيدة لعلاج التشوهات الاجتماعية القائمة. علي الصعيد الآخر دافع ممثلي الهيئة العامة للتخطيط العمراني عن توجهات السياسة العامة مؤكدين علي اهتمام الدولة بمشكلة العشوائيات وقيامها بإعداد استراتيجية عامة للتنمية العمرانية حتى عام 2017. رغم ذلك أوضحت تطورات النقاش وجود العديد من الشكوك في إمكانية اضطلاع القطاع الخاص بمهام التنمية الاجتماعية والأثر السلبي لانسحاب الدولة علي أوضاع الفئات الدنيا مما يفاقم من إشكالية العشوائيات ويعرقل إمكانية علاجها. خامسا: إشكالية المجتمع المدني: عكست الحلقة النقاشية وجود اختلافات جذرية فيما يتعلق بالموقف من مؤسسات المجتمع المدني، فعالياتها وقدرتها علي المساهمة في ملء الفراغ الناجم عن انسحاب الدولة، حيث أبدي البعض تشككهم في هذه المؤسسات، حتى علي المستوي الوجودي، بينما سرد البعض الآخر خبرات وتجارب واعدة لهذه المؤسسات علي الصعيد التنموي، ورغم ذلك فقد أكد الطرفين علي استحالة المراهنة علي قدرة مؤسسات المجتمع المدني منفردة علي علاج مثل هذه الظواهر وضرورة تضافر جهود كافة الأطراف الحكومية والخاصة والأهلية. التوصيات: انتهت حلقة النقاش حول "العشوائيات والعنف الاجتماعي" إلي عدد من التوصيات يمكن إجمالها في التالي: (1) ضرورة الضبط النظري والمنهجي للمفاهيم السوسيولوجية المستخدمة، خاصة مفهومي العشوائيات والعنف الاجتماعي. (2) التأكيد علي أهمية الدراسات الميدانية Empirical Sociology لاختبار فرضيات الورقة النقاشية، خاصة فيما يتعلق بتراجع معدلات التجانس الاجتماعي في التكوينات العشوائية، تداخل الأنماط والأنساق الثقافية والقيمية والخصوصية السيكولوجية لقاطني العشوائيات، كمحاولة لإنشاء نموذج معياري للمجتمع العشوائي باعتباره الشرط الأولي لاستكشاف حدود العلاقة العضوية بين هذه المجتمعات وممارسات العنف أو الاحتجاج. (3) ضرورة حفز جهود وفعاليات المجتمع المدني لملء الفراغ الناجم عن انسحاب الدولة واستيعاب التكوينات العشوائية داخل المنظومة الاجتماعية. الجزء الاول|| الجزء الثاني|| الجزءالثالث|| الجزء الرابع|| الجزء الخامس|| الجزء السادس |
3أ شارع محمد حجاج من شارع محمود بسيوني - ميدان عبدالمنعم رياض - الدور الثالث شقة 17 .تليفون : 5744428 / 5781003 فاكس : 5744428 بريد الكتروني : egypt@echr.org تصميم : جمال عيد |